خطر الطوفان

09 سبتمبر 2016 - 11:55

قريبا، يلتحق مئات الملايين من الأطفال بالمدرسة في النصف الشمالي للكرة الأرضية. وسيقوم أفراد ذوو تكوين- منذ أكثر من 30 سنة بالنسبة إلى بعضهم – بتعليم آخرين سيكونون أحياء على هذه الأرض بعد 80 عاما، وسيؤدون، بعد 20 عاما، معاشات هؤلاء الذين يمولون اليوم تعليمهم. فكيف لا يمكن الانتباه إلى الأهمية القصوى لهذه المهمة بالنسبة إلى الأحياء اليوم، وكذلك، بالنسبة إلى مستقبل الإنسانية؟ وهل من الممكن ألا نوفر لها كل الوسائل التي تحتاج إليها؟
إننا لاندرك بما فيه الكفاية حقا كم من حيوات غمرها النور بفضل اللقاء مع معلم استثنائي، ولا كم من حيوات ضاعت بسبب خطأ في التوجيه، أو لقاءات سيئة أو الإهانة أمام الملأ بسبب الحصول على نقطة سيئة. وبينما تنشغل الأذهان بكثير من النقاشات التافهة، وتهتم عناوين الصحف بالكلام الفارغ والإشاعات، كان الأجدر بنا، في هذه الأيام الأولى من شهر شتنبر، ألا نهتم سوى بقضية واحدة: هل قمنا بكل ما يلزم لإنجاح الدخول المدرسي؟ هل وفرنا للأساتذة كل الوسائل التي تضمن لهم تكوينا جيدا، وكل الأدوات التي جادت بها البيداغوجيا الحديثة؟ هل فكرنا جيدا وبما فيه الكفاية في العالم الذي سيعيش فيه من نعمل على تكوينهم اليوم؟
إن الاهتمام القليل الذي نوليه لهذا الدخول المدرسي (وحتى إن أبدينا اهتماما فللشكوى من كلفته)، يكشف، في العديد من بلدان الغرب، أن المستقبل لم يعد أولوية بالنسبة إلينا.
والحال أنه كان يتعين أن ننشغل كثيرا بكيفية الرقي بنظامنا التعليمي إلى أفضل وضع ممكن. والواقع أنه ليس في أحسن حالاته، بسبب نقص في الوسائل، وقلة الاستثمارات في البحث البيداغوجي، وغياب الجرأة على التجريب، والتكوين المستمر للمدرسين، وانفتاح مهنتهم على مجالات معرفية أخرى.. كذلك بسبب غياب التحليل الرصين لأوضاع العالم في المستقبل، والذي تعد المدرسة مرآته في الحاضر: عالم متحرك أكثر، متعدد الألسن، عالم يلتقي فيه أكثر فأكثر من الناس المولودين في أماكن أخرى، عالم يتعين فيه تنشئة راشدين أكثر تسامحا، يتقاسمون قيم التقدم واحترام حقوق الإنسان.
كيف يمكننا أن نأمل في بناء إنسانية أفضل ونحن نخصص أجورا هزيلة (باستثناء بعض البلدان، وأغلبها اسكندينافية) للمعلمين الذين نقلدهم مسؤولية النهوض بهذه المهمة؟ كيف يمكننا تحقيق ذلك ونحن لا نخصص لتكوين الأطفال الإمكانات نفسها التي نخصصها لترفيههم؟ (…) ونحن لا نرفع من شأن مجالات معرفية مهمة بالنسبة إلى المستقبل (البيئة، المواطنة)، ونحن لا نعطي، في تقييمنا للتلاميذ، للأصالة والإبداع وحرية الوعي المكانة الجديرة بها، وكذلك للانضباط.
بهذا السلوك، فنحن ننزع المصداقية عن التعليم وعن المدرسين على حد سواء. و”نصنع” شبابا غير ملائمين لعالم اليوم، ولا لعالم ما بعد الغد.. نضيع المواهب.. ونساهم في خلق “اقتصاد الغضب” الذي سيدمرنا جميعا.
لقد بات أمرا مستعجلا أن نستثمر (…) في البحث البيداغوجي وفي الابتكار بالمؤسسات التعليمية، وبالخصوص في هذا المشروع: تحويل المدرسة إلى مكان لتعلم المواطنة، وكيفية التعامل مع الطبيعة، واكتساب الثقة في النفس، والتحلي بالإيثار، والانفتاح على عادات الآخرين.
إذا كنا مثل السيدة “بومبادور” في سنة 1757، نؤمن بفكرة “أنا ومن بعدي الطوفان”، فإن طوفانا جارفا سيدمر عالمنا مثل ما دمّر عالم “المركيزة”.
مازال أمامنا بعض الوقت لإعادة ترتيب الأولويات واستعادة حماسنا من أجل المستقبل، ومن أجل الذين سيأتون بعدنا.

ترجمة مبارك مرابط عن “ليكسبريس”

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي