تدبير الانتقال

15 سبتمبر 2016 - 10:11

في نقاش حميمي مع صديق عزيز، لفت انتباهي استعماله وصفَ ” تدبير التحوّل” ، ونحن نتحدث عن واقع السياسة في المغرب، والاستحقاق الانتخابي الذي ينتظر البلاد في سابع أكتوبر المقبل. ولأن صديقي ليس شخصاً عاديا ـ فهو علاوة على خلفيته الأكاديمية الرزينة، يحتل موقعاً سامياً في إحدى المؤسسات العمومية الإستراتيجية في البلاد، وقد خبِرَ العمل القانوني الدقيق وتمرّس عليه منذ عقود، ويعرف حق المعرفة التوترات التي تخترق السياسات العمومية وعمليات صناعة النصوص القانونية المهيكِلة لمؤسسات الدولة ـ فقد بقيت منشداً إلى حديثه، بل تعمدت الإنصات إليه والاستفادة القُصوى من تحليله.
تكمن ميزة هذا الصديق في معرفته بما يجري في المطبخ الداخلي لمؤسسة الدولة، واطلاعه عن قرب على تصادم الإرادات وتنازع الرهانات بين الدولة والفاعلين، وبين هؤلاء أنفسهم، وقدرته على الإمساك بالأبعاد المتنافرة والمتقاطعة ، والأكثر من ذلك رغبته الصادقة في أن تنجح البلاد في تدبير ما أسماه ” التحوّل” ، وأن لا تخلف النخبة المغربية موعدها مع التاريخ.
ليسمح لي هذا الصديق باستبدال مصطلح “التحول” بكلمة ” انتقال”، لسبب مفاده أن ” الانتقال” سيرورة، و”التحول” مما يدخل في نواتج ” الانتقال” وأعراضه، وهما معاً ، يترابطان في الواقع، ترابط السبب بالنتيجة. فممّا توافقنا حوله في هذا الحديث أن ” تدبير الانتقال” يحتاج بالضرورة إلى وعاء ثقافي يحضِنُه، ويؤطر فاعليه، ويضمن استمراره ونجاحه.. أي أن ” الانتقال” يتطلب ثقافة تدبيره، والثقافة هنا ليست سوى المرجعية القيمية والسياسية التي تجعل أطراف الانتقال واعين طبيعة الانتقال وأساسياته، وتُسعفهم في أن يكونوا مستعدين طواعية لإنجاح ” الانتقال” وعدم الإضرار به، أو تعريضه للنكوص والفشل.
لاشك أن ” الدستور”، بوصفه الوثيقة الأسمى في البلاد، يُكرس التعاقد السياسي الذي يربط المجتمع بالدولة، وينظم علاقات الفاعلين، ويضمن ولاء الجميع له ومن خلاله للدولة ، بحسبها مؤسسة المؤسسات.. هكذا في الواقع فُهم الدستور المغربي الجديد لعام 2011، وهكذا ترافع الفاعلون للدفاع عن أهميته الإستراتيجية لحظة إعداده، والتعبئة من أجل التصويت عليه.. وبعد مرور خمس سنوات على دخوله حيز التنفيذ، أثبتت الوقائع أن ما كل ما قيل عن إيجابياته وجد طريقه إلى التطبيق السليم، بل إن الرهان على الدستور لإنجاح سيرورة الانتقال بدأ يتبدد، وربما فقد بريقه وقوته.. لأن السبب، مرة أخرى، مرتبط بالثقافة الناظِمة لسلوك الفاعلين، والمحددة لأدائهم.
لنترك التحليل النظري جانباً، ونتساءل عن المكامن العملية التي أعاقت تدبير عملية الانتقال في المغرب، ولم تسمح للوثيقة الدستورية الجديدة ببث روحها في النسيج العام للدولة والمجتمع؟.
يتجلى المكمن الأول في طبيعة المكانة التي تحظى بها الوثيقة الدستورية لدى الفاعلين بمختلف مراتبهم ودرجات مسؤولياتهم. فحين يكون الوعاء الثقافي ضعيفاً أو مُعيقاً، يفقد الدستور قدرته على رعاية التغيير وقيادته. وبمفهوم المخالفة تتحول الوثيقة الدستورية إلى مهماز لإنجاح التغيير، حين يتوفر الوعاء الثقافي المطلوب. لننظر مثلا إلى دور الدساتير في مجمل الانتقالات الناجحة في الربع الأخير من القرن العشرين في أكثر من بقعة من بقاع العالم.
يترتب عن المكن أعلاه مكمن آخر قوامه أن الخطوط المرسومة في وثيقة الدستور لكل مؤسسة ، والمخولة لكل فاعل، لم تجد طريقها إلى التطبيق السليم. ففي حالة المغرب، أبانت تجربة خمس سنوات على صدور الدستور الجديد، أن كثيرا من الاختصاصات لم تُمارس، وأن بعضها مورس بقدر كبير من التردد والخجل، ناهيك عن تلك التي وقع التطاول عليها بغير حق.. علاوة على أن الدعوات المتكررة لاعتماد التأويل الديمقراطي للدستور، بقيت مجرد صيحة في واد.
يمكن إضافة مكمن ثالث خاص بمدى ممارسة المؤسسات الدستورية لكامل سلطاتها في صناعة السياسات العمومية، لاسيما ذات الصلة بالمشاريع الكبرى في مجالات الاقتصاد والمال والتجارة. فمما يُفهم من واقع ما يجري أن كثيرا من المشاريع المهمة لا تمر بالضرورة عبر القنوات الدستورية والقانونية المعروفة، أو في أهون الحالات التي لا تحظى بالمشاورات اللازمة والمقبولة.
لاشك أن ضعف الوعاء الثقافي زاد من تعقيد تدبير الانتقال في مغرب ما بعد دستور 2011، وجعل التجربة برمتها رمادية غير واضحة المعالم، وإذا استمر الوضع على حاله، ولم تُنعشه هبّة أكثر فعالية خلال الاستحقاق الانتخابي المقبل، فإن المغرب، لا محالة، فرصة راهن عليها المغاربة برمتهم وهم يصوتون لصالح الدستور الجديد ) 2011 ( .

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رشيد المعقول منذ 5 سنوات

لاشك أن ضعف الوعاء الثقافي زاد من تعقيد تدبير الانتقال في مغرب ما بعد دستور 2011، وجعل التجربة برمتها رمادية غير واضحة المعالم، وإذا استمر الوضع على حاله، ولم تُنعشه هبّة أكثر فعالية خلال الاستحقاق الانتخابي المقبل، فإن المغرب، لا محالة، فرصة راهن عليها المغاربة برمتهم وهم يصوتون لصالح الدستور الجديد ) 2011 ( . هذا هو مربط الفرس

التالي