لماذا يقتلون الوقت في المقاهي؟

15 سبتمبر 2016 - 11:38

شاهدت مؤخرا فيلما أمريكيا ذي مغزى عميق ودال عن الوقت، تدور أحداثه في زمن تخيل فيه المخرج أن عمر الإنسان صار العملة المتداولة، لا نقودا، لا سندات ولا أوراق زرقاء وخضراء وبيضاء. تريد ركوب الحافلة، الثمن “ساعتان من عمرك”، تريد شرب فنجان قهوة، الثمن “أربع دقائق من عمرك”، تريد شد الرحال في سفر طويل، الثمن “شهر كامل”.. أجرك الشهري يحسب بكذا وكذا من الساعات أو السنوات أو القرون حسب مكانك في سلم الثراء!
في الفيلم، الفقراء يموتون بسرعة، لأن عدد الساعات التي يتقاضونها كل شهر لا تكفيهم لسد نفقات العيش، أو بسبب تراكم الديون الزمنية، أو بسبب الأبناك التي تقرض الساعات والأشهر بنسب فائدة عالية، تعجل بانقراض الطبقة العاملة..
يتقاضى أحد الأثرياء في الفيلم قرنا كاملا من أرباح شركته، ويعيش في منطقة “غرينيتش الجديدة”، وتبدأ المراهنات في ألعاب القمار التي يدمنها من عشر سنوات فما فوق، وإذا كنت فقيرا وتسللت لهذه المنطقة فمن السهل جدا على أجهزة الشرطة اكتشاف أمرك، لأن الفقير لا يتوقف عن النظر إلى ذراعيه، حيث يظهر الرصيد المتبقي من عمره في شكل عداد، مخافة أن ينفد في غفلة منه، وهو سلوك لا يمكن أن يأتيه ثري حقيقي من “غرينيتش الجديدة”. وفكرة الفيلم عموما، في نظري، هي التنبيه لقيمة الوقت وانتقاد الرأسمالية الأمريكية التي تغتني من أوقات الآخرين بطريقة بشعة، وتلك النخب التي تراكم ثروات هائلة تكفي سلالاتها للعيش حياة الرخاء قرونا مديدة على حساب العمال الكادحين..
وقد دفعني الفيلم إلى التفكير في من يسفح وقته حبا وكرامة على طاولات المقاهي، ويسكب أنفاسه مع كؤوس الشاي والقهوة ويتركها تتبخر بين سحب دخان السجائر وتطير مع نظرات معلقة بشاشات مسطحة كبيرة تنقل أوقات الآخرين وقد تحولت لبرامج وأفكار ومواعيد تلفزيونية ثمينة ومدرة للدخل. ما الذي يجعل المغربي يزهق حبات عمره طواعية حائرا بين المقاهي؟
فكرت في أنه ربما لا يكون “عمّار المقاهي” سوى جماعة من الأشخاص الكسالى وعديمي الإحساس بالوقت، وربما ورثة أوفياء لنمط ثقافي ظل يقيس الزمن بالمواسم وأيام الأسواق الأسبوعية والفصول، لا بالدقائق والثواني وآجال إنجاز المشاريع (كما قد يكون عليه الأمر مثلا في مدينة صناعية أوروبية). لكن فكرة أن المسألة برمتها تتعلق بسلوك ثقافي لا يقدر قيمة الوقت وربما ينتشر بصفة أكثر في حواضر التي لم تكتمل فيها دورة التمدن، لم تقنعني بصفة تامة.
ثم حفرت بشكل أعمق في هذا السؤال، وبدا لي أنه يصح التفكير في أن المغربي يختار قتل الوقت عن سبق إصرار وترصد، لأنه استعدى الزمان منذ أن شعر أن هذا الأخير يعاديه بدوره ويقسو عليه. أي أنه منذ أن عرف أن “الزمان خايب”، قرر قتله في المقاهي وتدويره داخل قاع الفنجان مثل قطع السكر.
ثم قلت ربما هو ذلك الإحساس بالوحشة والاغتراب والفراغ وضيق الأفق الذي تخلفه فيه مدن لا توجد فيها فضاءات عمومية جميلة ولا حدائق ولا مكتبات عمومية ولا ساحات أنيقة للتسوق ولا منتزهات ولا مساحات للجري وممارسة الرياضة ولا شيء.
مدن تترك المغربي فريسة لإحساس مقيت بالفراغ، وتجعله ينقم على الوقت الذي يعذبه بطوله وتعاقبه عليه في مدينة عبارة عن طريق رئيسي ومنازل عشوائية على الجانبين، عوض أن يتعاقب عليه في أمستردام أو سيدني أو مدريد..
مدن تجعل المقاهي، في غياب أي بدائل أخرى لـ”إحياء الوقت”، تقدم خدمة “قتل الوقت” لجحافل الناقمين..

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Mohamed Harrouda منذ 5 سنوات

La paupérisation d'un groupe social de marocains les poussent à occuper les terrasses de café; pensez aux familles nombreuses qui occupent des logements réduits et dont les hommes restent la journée à " ras ederb" ou se réfugient dans les cafés .