بلاغ الديوان الملكي يشوش على حياد المؤسسة الملكية

18 سبتمبر 2016 - 16:38

لغة البيان تزج بالملكية في ضيق هي في غنى عنه، لأنها تدفع بها نحو التدخل في تكييف توجهات الأحزاب والضغط عليها لتغيير عناوينها السياسية

أثار بلاغ الديوان الملكي على خلفية تصريحات السيد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، جدلا واسعا، واتخذت مناقشته أشكالا مختلفة دستورية وسياسية، وأيضا شكلية، واستثمر البعض المناسبة لإعادة تقييم موقع الديوان الملكي ووظائفه بالقياس إلى مضمون الوثيقة الدستورية وروحها الديمقراطية، فيما ركز البعض الآخر النقاش في الخلفيات السياسية لهذا البلاغ بالقياس إلى ظرفيته أولا، ثم الجهة المستهدفة به ثانيا، ثم مضمون الرسالة السياسية الثاوية بين أسطره ثالثا، والسلوك السياسي الذي أعقب هذا البلاغ، سواء من جهة الدولة أو من قبل التقدم والاشتراكية وبقية الأحزاب الأخرى.
الوقائع التي دفعت الديوان الملكي إلى إصدار البلاغ ترتبط بتصريحات تحمل في نسخة ما قبل الاعتذار إشارة واضحة إلى مستشار ملكي، لكنها لا تحمل الدلالة الصريحة نفسها بعد الاعتذار والتصويب.
ليس هناك من شك أن لغة البلاغ كانت قاسية في توصيف هذه التصريحات، وأيضا في قراءة خلفياتها. فبلاغ الديوان الملكي لم يكتف بوصف هذه التصريحات بكونها تضليلا سياسيا فحسب، ولكنه ذهب إلى أبعد من ذلك حين قرأ خلفيات هذه التصريحات، وكونها تؤدي وظيفة انتخابية، وهو ما يطرح سؤال أثر لغة البلاغ على حيادية المؤسسة الملكية إزاء التنافس الحزبي، وإلى أي حد يعكس هذا البلاغ التعهدات الملكية في خطاب العرش الذي أكد مرة ثانية أن الملكية هي فوق الأحزاب، وأنها تأخذ المسافة نفسها من الجميع، وأن حزبها هو المغرب.

المشوشات الثلاثة في البلاغ الملكي

لغة بلاغ الديوان الملكي شوشت على هذه التعهدات من ثلاث جهات:
– الأولى أن البلاغ تعدى وظيفة النفي، وهي الوظيفة الأساسية له تجاه تصريحات نبيل بنعبد الله في النسخة ما قبل التصويب، وتجاوز حدود توصيف هذه التصريحات إلى البحث عن خلفياتها مما لا يمس المؤسسة الملكية في شيء، إذ إن كسب الأصوات واستمالة الناخبين هو أمر لا ينفع الملكية في شيء ولا يضرها، باعتبار موقعها فوق الأحزاب، كما أن البحث عن الخلفيات الانتخابية للأحزاب لا يدخل ضمن انشغالات الملكية التي ينيط بها الدستور دور الترشيد والتوجيه للارتقاء بالوعي والسلوك السياسي، وليس الانجرار لمسايرة خلفيات الأحزاب الانتخابية كما تسمح بذلك قراءة لغة بلاغ الديوان الملكي.
– الثانية: أن بلاغ الديوان الملكي انتقل من دفع تهمة التحكم عن المستشار الملكي، وإبراز وظائف هذا المستشار في الالتزام بتعليمات الملك، وهذا الشق هو المطلوب في البلاغ، إلى خوض معركة ضد مفهوم التحكم، هكذا بإطلاق حتى ولو لم يكن الحزب الذي يتبناه يلصقه بالمستشار الملكي المذكور. وهذه مشكلة أخرى في لغة البيان، لأنها تزج بالملكية في ضيق هي في غنى عنه، لأنها تدفع بها نحو التدخل في تكييف توجهات الأحزاب والضغط عليها لتغيير عناوينها السياسية، بل ومراجعة قراءتها للمشهد السياسي، وكذا خبرتها السياسية في تجربتها الحكومية.
فأن يتبنى هذا الحزب مواجهة التحكم أو مهادنته، فهذا لا يضر الملكية في شيء مادامت هذه الأحزاب التي ترفع هذا العنوان تعترف وتقر بأن الملكية في المغرب إصلاحية، وأن شرط مواصلة الإصلاح هو الالتقاء الدائم للإرادتين الملكية والشعبية.
– الثالثة: أن التمييز بين الحزب وقيادته قد يكون له تأويل إيجابي، إن كان القصد منه أن البلاغ أراد ألا تفهم منه أي إشارة تفيد بأن الدولة ستستهدف هذا الحزب، لاسيما مع هذا الاستحقاق الانتخابي، وإنما القصد التعرض لتصريحات بالنفي والتوضيح.
لكن السلوك السياسي الذي أعقب البلاغ لم يترك مساحة كبيرة لهذا التأويل الإيجابي. فمباشرة بعد البلاغ، تصرفت القناة الثانية بطريقة سيئة، بدعوتها نزهة الصقلي التي استغلت الفرصة لتعطي شرعية للتمييز السلبي بين الحزب وقيادته، ما أعطى إشارة إضافية إلى أن لغة بلاغ الديوان الملكي زجت بالملكية في شأن حزبي داخلي، ولم تعكس حياد الملكية إزاء التنافس الحزبي، وعدم تدخل الدولة في الشؤون الداخلية للأحزاب.
هذه ثلاثة إشكالات وقع فيها بلاغ الديوان الملكي، إذ من حيث أراد البلاغ أن يثبت الطبيعة المهنية الحيادية لمستشار الملك، زج بالملكية في الصراع الانتخابي، وجعلها تتدخل لتغيير قراءات الأحزاب للمشهد السياسي وعناوينها السياسية لخوض الاقتراع، هذا بالإضافة إلى أن البلاغ سمح لنفسه بالتدخل في الشأن الداخلي للأحزاب، وذلك من خلال الفصل بين القيادة والقاعدة بتثمين مواقف الحزب وتاريخه، والتهجم على قيادته.
لقد سبق للسيد فؤاد عالي الهمة، لحظة خروجه إلى الفعل السياسي، أن ميز، في حوار صحافي مع مجلة «تيل كيل»، بين إدريس لشكر وبين حزبه لما كان لشكر يدعو إلى جبهة واسعة للدفاع عن الديمقراطية بالتحالف مع البيجيدي، فاعتبر الهمة أن ما يقوم به لشكر لا يعكس رأي الاتحاد، وانتقد الاتحاد بشدة هذا التصريح، واعتبره تدخلا في الشأن الداخلي لحزب الوردة. اليوم يتكرر الخطأ نفسه، لكن هذه المرة ليس من السيد فؤاد عالي الهمة الفاعل السياسي، ولكن من الديوان الملكي. في المرة الأولى لم يطرح تصريح الهمة إشكالا كبيرا، لأن الخطأ، مهما كان، ستتم قراءته على أساس أنه مناكفة أو تنافس سياسي بين الفاعلين السياسيين، لكن الأمر، هذه المرة، لا يتعلق بفاعل سياسي، وإنما بديوان ملكي. الخطأ في لغة البلاغ مكلف، لأن ما يترتب عليه هو التشويش على دور الملكية وموقعها الحيادي، وإحداث التباس في علاقة الملكية بالأحزاب، ومعاكسة توجهات الملك المؤكدة لكون الملكية فوق الأحزاب، ولكونها تأخذ المسافة من الجميع.

خيارات كانت مطروحة لتأكيد حيادية الملكية
التقدير أن ثمة خيارات كانت مطروحة للتعامل بطريقة ذكية مع تصريحات نبيل بنعبد الله دون التشويش على حيادية المؤسسة الملكية:
– خيار الاتصال بالأمين العام للتقدم والاشتراكية، وإبلاغه بتقدير الديوان الملكي لتداعيات تصريحاته، ودعوته إلى تقديم اعتذار يحقق المقصود من البلاغ الملكي، والمتمثل في إبعاد مستشاري الملك عن حلبة التنافس السياسي.
– خيار صياغة بلاغ يستغرب تصريحات بنعبد الله، وينفي التهمة عن المستشارين الملكيين، ويوضح طبيعة عملهم فقط لا غير، ويدعو جميع الأحزاب إلى احترام طبيعة عملهم وعدم الزج بهم في معارك الصراع الانتخابي.
– خيار عدم صياغة أي بلاغ، واعتبار تصويب بنعبد الله واعتذاره كافيا.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي