حكمة وشجاعة

16 سبتمبر 2016 - 22:00

بكياسة وأدب وشجاعة، رد حزب التقدم والاشتراكية على بلاغ الديوان الملكي الذي كان قاسيا على الوزير نبيل بنعبد الله، عندما اتهمه بالتضليل وخرق الدستور وتشويه سمعة البلاد لمجرد أنه انتقد ما سماه التحكم، وأشار إلى تاريخ تأسيس «البام» المثير للجدل، فيما زاد المغرقون تهمة أخرى لنبيل بنعبد الله، وهي «الخروج من دين الدولة»، والتمرد على النظام، مطالبين برأسه ولا شيء غير رأسه.

حزب علي يعتة تعامل بحكمة مع سوء الفهم الذي وقع بين الأمين العام للحزب والقصر الملكي، وعوض أن يدفن الحزب رأسه في الرمال، أو يسارع إلى الاعتذار، أو يلوذ بالصمت كما فعلت أحزاب أخرى أكبر منه، اختار الرد المكتوب وغير المكتوب، دون أن يتجاوز تقاليد التوقير والاحترام الواجب للجالس على العرش، وفي الوقت نفسه دون التخلي عن حقه في توضيح موقفه من الصراع الديمقراطي بين الأحزاب، والتشبث بأمينه العام، والتحفظ على التمييز بين قيادة الحزب وقواعده، باعتبار الأمين العام للحزب هو الناطق الرسمي باسم اختياراته ومبادئه… في الوقت ذاته ذكر الحزب بمواقفه التاريخية من المؤسسة الملكية التي يعتبرها حجز الزاوية في استقرار البلاد وتطورها. إنه بيان مطروز يعبر عن خبرة سياسية راكمها الحزب على مدى أكثر من نصف قرن.

هذا الموقف الذي عبر عنه حزب التقدم والاشتراكية يعد ثاني مناسبة تستدرك فيها الأحزاب السياسية على قرارات أو بلاغات ملكية في عهد الملك محمد السادس، بعد بيان المنهجية الديمقراطية الذي أصدره الاتحاد الاشتراكي سنة 2002، وكتبه محمد الأشعري بتكليف من اليوسفي، عقب تعيين التقنوقراطي إدريس جطو وزيرا أول خارج نتائج الاقتراع التي أعطت التقدم لحزب الاتحاد الاشتراكي… إنها الصراحة المطلوبة في الحوار مع المؤسسة الملكية.. صراحة تميز بين الاحترام والتوقير الواجب لشخص الملك، ولشخصه فقط، وبين ضرورة الحوار بين المؤسسات، والنقاش الحر والديمقراطي حول مجريات الحياة السياسية دون خوف أو تملق. لقد أظهر التاريخ الحديث للمغرب أن الخروج عن المنهجية الديمقراطية سنة 2002 كان خطأ سياسيا دفعت المؤسسة الملكية ثمنه بعد تسع سنوات، حيث نص الدستور الجديد على وجوب تعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات.

في بداية عهد محمد السادس قال محمد الساسي مقولة ظلت مسطرة في دفتر الأدب السياسي «غير المخزني»، حيث قال: «من يحب الملك عليه أن يقول له الحقيقة». القليلون، للأسف، من أخذوا بهذه النصيحة لأن طبقات سميكة من التقليد والخوف والطمع تغطي العقل السياسي للنخبة السياسية التي تفكر بمصالحها ومواقعها وامتيازاتها، وليس بعقلها وبمصلحة البلد، وترى أن التملق لـ«السلطان» أولى من نصحه، وإذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، وأي ذهب.

لو استمع الملك الراحل الحسن الثاني إلى نصائح عدة كان البعض يهمس بها في محيطه لما واجه خيانة الجنرال أوفقير، ومغامراته التي كانت ستدخل البلاد إلى نفق مسدود… هناك خيط رفيع يريد البعض أن يطمسه بين الحوار مع المؤسسة الملكية وبين الزج بها في أتون الصراع السياسي. الملك فوق الأحزاب، وهو الضامن لتطبيق الدستور، وتوقيره واحترامه أوجب الواجبات، لكن موظفيه والعاملين في ديوانه يصيبون ويخطئون، وهم ليسوا آلات تطبق التعليمات بالحرف، وليسوا «كمبيوتر» يبرمج للعمل وفق نظام لا يخرج عنه. إنهم بشر لهم ميولهم وأفكارهم ومصالحهم ونقاط قوتهم ونقاط ضعفهم، ويجب ألا تحسب أخطاؤهم أو مبادراتهم السابقة أو اللاحقة على المؤسسة التي يشتغلون فيها.

بلاغ التقدم والاشتراكية ما كان سيصدر لو أن مناضلي الحزب لم يشعروا بحرارة التضامن مع أمينهم العام وسط الرأي العام، الذي ظلت قطاعات واسعة منه تعبر عبر «الفايسبوك» عن التعاطف معه لأن ما قاله عن «البام» والتحكم يتقاسمه معه الكثيرون، ويرون أن هناك علاقة ما تربط بين الحزب ومؤسسيه، وأن حل هذا الإشكال ومواجهة هذا الانطباع لا يتمان بالبيانات ولا بالبلاغات، ولكن بوقوف الإدارة على مسافة من الجرار، وعدم تعبيد الطريق أمام عجلاته، وتركه يواجه مصيره بيده… في عالم السياسة الكلام غير قابل للصرف، وحدها الأفعال قابلة للتداول والإقناع والاقتناع.

الديمقراطية، بالتعريف، هي تدبير الاختلاف وليس رعاية الإجماع. الديمقراطية هي ضمان الحق في التعبير والحق في الاعتراض، فالحقيقة المطلقة لا يملكها أحد على وجه الأرض.. كل شيء نسبي.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عبد الاه منذ 5 سنوات

كلام معقول جدا

الفيكيكي منذ 5 سنوات

ليت كل من يقرأ ماتكتب يفهم ماتريد قوله. فأنت صحفي مهني صادق، لا تراوغ ولا تستعمل أسلوب الخديعة والتدليس كما يستعمله بعض الأقلام المأجورة

abdel منذ 5 سنوات

المحيط الملكي اقحم نفسه في شؤون الاحزاب بتاسيسه حزب الاصالة والمعاصرة.

aziz منذ 5 سنوات

كلامك في الصميم يا سي بوعشرين ، شكرا لك.

عبد المجيد العماري منذ 5 سنوات

...واحترامه وتوقيره أوجب الواجبات،لكن(سطر على أداة الإستدراك هذه)موظفيه والعاملين في ديوانه يصيبون ويخطئون،...هل يعني هذا أن الملك يصيب ولا يخطئ؟ أم أن معاونيه لا يجب احترامهم وتوقيرهم؟ راني حرت معك أسي توفيق خصوصا بعد عودتك في الأخير لتقول:الحقيقة المطلقة لا يملكها أحد على وجه الأرض.كل هذا ونحن نعلم أن كل القرارات والصلاحيات بيد الملك .

antiterroriste منذ 5 سنوات

Cherchez la femme !!!!!!!!!!

ابو انس منذ 5 سنوات

ماذا قال ابو بكر الصديق عند توليه الخلافة أما بعد أيها الناس، فإني قد وُليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء

Rachidi منذ 5 سنوات

je ne vois aucun courage . Le monsieur veut à tout prix un poste de ministre dans le prochain gouvernement . Quel est le lien entre l'idéologie communiste et l'idéologie des frères musulmans?Est ce que ce monsieur a lules écrits des idéologues de l'organisation terroriste des frères non musulmans?Qu'en pense -t-il ?

momo 13 منذ 5 سنوات

SM doit se rendre compte que la plupart de ses proches collaborateurs ont un manque flagrant de compétence : voir comment ils gèrent le dossier du Sahara, le tourisme, et la politique aussi bien économique et sociale. Le roi ne doit pas avoir d'amis;

العلوي المحمدي منذ 5 سنوات

تصرفات المستشار غير مقبولة من طرف الشعب ، وهو يدرك هذا جيداً ! و بتحكمه هذا، فإنه يراهن بمستقبل الملكية ! نتمنى أن يتوفر هذا لمستشار على بصيرة، وحكمة ولا يزج بالملكية أمام النفق المسدود ! نحن غير بعيدين عن الربيع العربي، نتمنى ان لا يدمر هذا لمستشار ما بني الآن .

محمد الوزاري منذ 5 سنوات

لقد ابان حزب التقدم والاشتراكية عن قوته وشجاعته من خلال رده الذكي والمناسب على بلاغ الديوان الملكي الذي ادخل الملك الصراع السياسي من حيث لا يدري والذي اعطى شحنة قوية للحزب٠ ولاشك جلب كل التعاطف معه وسيكون له اثر ايجابي في الانتخابات القادمة من حيث التصويت بقوة لمرشحيه الى جانب العدالة و التنمية ٠ لقد توضحت الامور بشكل جلي ٠معسكر الاصلاح والديمقراطية(العدالة و التنمية ٠التقدم والاشتراكية) ضد التحكم والاستبداد(الاصالة والمعاصرة واذنابه)٠ موعدنا يوم 7 اكتوبر لكتابة التاريخ الديمقراطي لبلدنا العزيز٠

عبدالجليل العلمي منذ 5 سنوات

رب ضارة نافعة ،قد يكون البيان الصادر عن الديوان الملكي في ديباجته الإستثنائية فرصة هامة للتمييز القطعي بين المؤسسة الملكية وسنمها الوحيد ملك الأمة ورمز سيادتها وكيانها وبين موظفي وخدام وأعوان تلك المؤسسة مهما إختلفت رتبهم ومسمياتهم الوظيفية لقد أبان النقاش الذي عقب صدور بيان الديوان الملكي قصورا وخلطا شديدين لا يستقيمان أبدا ونظرة المغاربة لمكانة عاهلهم وتقديرهم لتلك المكانة التي يستأثر بها بموجب البيعة المقدسة قبل الدستور ، وذلك حينما أشير في منابر ووسائط متعددة أن هناك من يتمتع بصلاحيات تكاد تقترب من تلك التي يستأثر بها قانونا وشرعارأس الدولة وهو مظلة المغاربة وملاذهم ومناط إجماعهم إحترام المؤسسة الملكية والذود عنها واجب مقدس يسمو فوق كل الحسابات السياسوية الضيقةوفوق حسابات المصالح و الخارطة الإنتخابية وعدد المقاعد المحصل عليها، وإذا كان التنافس ببن الفرقاء السياسيين أمرا مطلوبا فليكن من خلال البرامج والخطط لتبقى المؤسسة الملكية لدى الجميع وهذا من باب الإحترام والتوقير وهيبة الدولة ، فوق كل الحسابات و بمنئى عنها لأنها وحدها تستأثر بمكانة القاضي والحكم الذي لا تسقط حصانته ولا تتقادم

تورالدين منذ 5 سنوات

في حقيقة الأمر رد شجاع وواقعي من لدن الحزب وقدرة تحمل نادرة لأمين حزب مغربي الدي سيواجه صعوبة بالغة في التعاطي مستقبلا مع خدام الدولة وسيضعون له جميع العراقيل وأنا من هنا أقولها لكم السيد الوزير غير سير شوف شي حاجة أخرى من غير السياسة والله لبقات فيك

وجدي منذ 5 سنوات

خير الكلام ما قل ودل أحسنت،لقد سلطتم على النكرة الضوء أكثر مما يستحق،ولو كان لنا وعي شعب اليابان لقال الشعب كلمته ولكن ...........كرام.

abdelhamid منذ 5 سنوات

il n'y a ni sagesse ;ni courage . vous pouvez pas laisser les millions que vous avez amassé et descendre militer dans la rue

jamal منذ 5 سنوات

شكرا السي توفيق اسلوبك في التلقين غاية في الدبلوماسية وما احوج الصحافة لامثالك واصل

التالي