تونس الثورة: ديمقراطية بدون تنمية

20/09/2016 - 10:26
تونس الثورة: ديمقراطية بدون تنمية

بقلم: سعيد الغماز

نستطيع القول إن تونس الثورة أصبحت رائدة في صناعة الأحداث ونموذجا للقرارات المفاجئة.

فتونس هي من أطلقت الشرارة الأولى لثورات الربيع العربي بعد حادث البوعزيزي، وهي من تمكنت من إنشاء نظام بديل لحكم بنعلي بعقد تحالف بين الأحزاب الفائزة في أول انتخابات بعد ثورة الياسمين، وتونس هي أول دولة عربية بعد الربيع العربي تمكنت من إنجاز دستور للبلاد يُجمع عليه جميع الفرقاء السياسيين ويحظى بإجماع شعبي، لكن في المقابل لم تنجح أي حكومة في الحفاظ على الدعم الشعبي لها، حيث تعاقبت على الحكم جميع أصناف الحكومات التي أبدعها الفكر السياسي الحديث. فالحكومة التي تمخضت عن صناديق الاقتراع برضا غالبية الشعب التونسي وجدت نفسها مُضطرة للتنحي أمام المطالبات الشعبية بالرحيل. حلت محلها حكومة التكنوقراط حيث عُقدت عليها الآمال لإخراج البلاد من وضعية اقتصادية متردية، وبالتالي إنقاذ المستقبل السياسي للبلاد، لكنها هي الأخرى وجدت نفسها أمام شعار « ارحل » فما كان عليها سوى الانسحاب لفسح المجال لانتخابات ستُفرز حكومة مُنبثقة عن صناديق الاقتراع لن يستطيع أي كان التشكيك في شرعيتها، نظرا لكون الانتخابات اتسمت بالنزاهة والشفافية ولم يُطعن أحد في مصداقيتها، بل إن الحزب الخاسر اعترف بخسارته وهنأ الحزب الفائز على غرار ما هو معمول به في الدول الديمقراطية. هذه الحكومة التي انبثقت عن صناديق الاقتراع لم تُكمل سنتها الأولى حتى بدأت الاحتجاجات رافعة في وجهها الشعار المعلوم « ارحل ». فتكون بذلك تونس قد حطمت الرقم القياسي في تشكيل الحكومات، حيث في ظرف خمس سنين على انطلاق ثورة الياسمين تعاقبت على الحكم ست حكومات. وفي الآونة الأخيرة تشكلت حكومة وحدة وطنية لا يُمكن لأحد التكهن بمصيرها وهل ستنجح في مهمتها أم أنها سينتهي بها المطاف كسابقاتها لمواجهة شعار الشارع التونسي « ارحل ».

أمام هذه المعطيات يحق لنا طرح الأسئلة التالية:

– هل مشكلة تونس هي حكومة قادرة على الاستجابة الفورية لمطالب الشارع ومطالب الثورة؟ تعاقبت على الحكم في تونس العديد من الحكومات بمختلف أصنافها: حكومات من أحزاب مختلفة وحكومات غير متحزبة مشكلة من تكنوقراط وكلها لم تتمكن من إرضاء مطالب الشارع.

– هل مشكلة تونس هي انتخابات نزيهة وشفافة؟ أكيد لا، فتونس تعتبر نموذجا فريدا في الديمقراطية تمكنت من إنجاز انتخابات ديمقراطية لم يجادل فيها أي تيار سياسي. ما تُعانيه الكثير من الدول الإفريقية في مجال الديمقراطية والانتخابات النزيهة تُعتبر تونس نموذجا يُحتذى به، حيث حققت طفرة في ترسيخ نظام ديمقراطي في ظرف وجيز.

– هل مشكلة تونس في ترسيخ دستور يرضى عنه غالبية الطيف السياسي؟ أكيد لا، فتونس هي البلد الذي تمكن من إنجاز دستور عبر جمعية وطنية منتخبة وأقر به جميع التونسيين بمختلف أطيافهم السياسية.

إذا كانت تونس لا تعاني من هذه الإشكالات السياسية التي تُؤرق الكثير من دول القارة الإفريقية وتُفوت عليها فرص التنمية والإقلاع الاقتصادي، فأين تكمن إذا مشكلات تونس الثورة؟

فإذا كانت تونس قد تقدمت بشكل كبير على كثير من دول العالم الثالث في مجال ترسيخ نظام ديمقراطي مبني على انتخابات شفافة ونزيهة، يمكن بكل تجرد قياسها بانتخابات الدول الديمقراطية، فإن هذا لا يكفي لتلبية المطالب التي قامت عليها ثورة الياسمين: عيش، كرامة، حرية. العيش الكريم لعموم الشعب التونسي يتطلب توفير دخل قار لكل فرد، وهو الأمر الذي يستدعي توفير عدد كاف من مناصب الشغل يسع لكل تونسي باحث عن شغل. ولبلوغ هذا الهدف لا بد من الاعتماد على اقتصاد يوفر نسبة نمو قادرة على الاستجابة لمناصب الشغل المطلوبة. هذا الأمر يتطلب بدوره البحث عن الاستثمارات الضرورية لإنعاش الاقتصاد التونسي، وهو ما فشلت فيه جميع الحكومات التي رفع الشارع التونسي في وجهها شعار « ارحل ». وعلى هذا الشارع بعد فشل جميع الخيارات المتاحة أن يطرح السؤال الجوهري: ما العمل؟

الشارع التونسي قام بثورة مجيدة أزالت حكما بكل مؤسساته ودساتيره بل وحتى اقتصاده الذي كانت المؤسسات الرئيسية فيه، إما في ملكية الأسرة الحاكمة أو مساهمة فيها، وذلك بحكم درجة الفساد واستغلال النفوذ الذي وصلت إليه البلاد آنذاك. لكن الشارع التونسي أخطأ باستعجاله جني ثمار الثورة حيث بمجرد تنصيب أول حكومة بعد الثورة بدأت المطالبات بتحسين شروط العيش والزيادة في الأجور وإيجاد الشغل للعاطلين. وقد اقترنت هذه المطالبات بموجة من الإضرابات والاحتجاجات أضرت بباقي النسيج الاقتصادي الذي كان مستقلا عن الأسرة الحاكمة المُطاح بها والذي لم يستطع التوفيق بين الركود الاقتصادي الذي نتج عن الثورة وسلسلة الإضرابات والاحتجاجات مما اضطر بحوالي 300 مقاولة أجنبية إلى إغلاق مصانعها بتونس وتحويل نشاطها إلى دول أخرى، ففقدت بذلك البلاد أكثر من 30000 منصب شغل. لم تفرق الثورة بين انتفاضتها ضد حكم ديكتاتوري سلب الشعب حريته وكرامته ونهب خيرات المجتمع وثروات الدولة، وبين المحافظة على خيرات المجتمع وركائزه الاقتصادية فصارت الحرية التي أصبح يتمتع بها التونسيون تنتفض في وجه كل شيء: مقاولة، حكومة، حزب، مؤسسة وغيرها. طبيعي أن تشهد البلاد أي بلاد هذا الهيجان لأن الشعب في حالة ثورة، لكن تونس كانت تحتاج حكماء لا تربطهم لا بالأحزاب ولا بالنظام البائد أية صلة، وتكون كلمتهم مسموعة لدى الشارع التونسي من أجل تأطيره وترشيد انتفاضته. هؤلاء الحكماء الذين افتقدتهم تونس الثورة كان عليهم أن يقنعوا الشارع بالتريث وبناء المستقبل بالتدرج. فبعد المصادقة على الدستور وانتخاب حكومة ديمقراطية كان على هؤلاء الحكماء القيام بوساطة بين الشارع والحُكّٓام الجدد للدخول في مرحلة البناء التي تقتضي الصبر وإعطاء مهلة معقولة للحكومة لمعالجة الملفات، وكان الأمر يقتضي إيقاف الإضرابات والاحتجاجات والدخول في مرحلة السلم الاجتماعي لبناء المستقبل. الضمانة التي يتوفر عليها الشارع التونسي في إنجاح هذه المرحلة هي قدرته على الإطاحة بالحكومة في حال إخلالها بمهامها أو عجزها عن بلوغ أهداف الثورة، وذلك بحكم مناخ الحرية الديمقراطية الذي فرضته الثورة والذي قطع مع كل أشكال التحكم والتسلط.

وأمام عجز الحكومة على إيقاف هروب الرأسمال وعدم قدرتها على استقطاب الرأسمال الأجنبي بسبب فقدان الاقتصاد التونسي الجاذبية المطلوبة، عمدت إلى سن قانون العفو وإيقاف المتابعة القضائية في حق كل من قام باسترداد الأموال المهربة وهي أموال تونسية أو رَجَعَ لمواصلة استثماراته في البلاد. حتى هذه الخطوة عرفت معارضة شديدة من قبل شارع ثائر يسهل تهييجه من قبل أحزاب لها حسابات ضيقة مع أحزاب أخرى. فاختلط الأمر على الشارع الثائر بين ثورة قامت لبناء المستقبل وانتفاضة قامت للانتقام من الماضي. فغياب لجنة الحكماء تتمتع بمصداقية لدى الشارع كلّف التونسيين الشيء الكثير.

في الوقت الراهن وبعد مرور خمس سنوات على ثورة الياسمين، لا تستطيع حكومة منتخبة ديمقراطيا مشكلة من تحالف الأحزاب الكبرى تحظى بدعم غالبية الشعب التونسي، تنفيذ قراراتها خوفا من شعار « ارحل » الذي مع كامل الأسف تحول من شعار ثوري إلى موضة بعد الثورة. والسبب في هذا الوضع هو غياب صوت الحكماء تاركا المجال للمزايدات الحزبية. فالمرحلة تقتضي إقرار سياسة التقشف على الجميع في أفق تعافي الاقتصاد التونسي، وهو ما لم تستطع الحكومة المنتخبة القيام به في ظل غياب صوت الحكماء وسيطرة المزايدات الحزبية الضيقة على المشهد السياسي. ولتجاوز هذه الصعوبات ما كان على الحكومة المنتخبة دستوريا سوى الإطاحة بتشكيلة حكومتها والبحث عن حكومة وحدة وطنية تتحمل فيها جميع الأحزاب من الأغلبية والمعارضة مسؤولية إنجاح سياسة التقشف بعيدا عن تهييج الشارع بالتظاهر والإضراب. مشهد سياسي لم نألفه في الدول الديمقراطية، حيث إن الحكومة المنتخبة ديمقراطيا لها كامل الصلاحية في اتخاذ القرارات السياسية ولو كانت مؤلمة.

لو كان صوت الحكماء مسموعا أكثر من صوت الأحزاب لقطعت الثورة خلال الخمس سنوات الماضية أشواطا مهمة في سبيل الإقلاع الاقتصادي. صوت الحكماء كان سيقنع الشارع التونسي بفترة السلم الاجتماعي وتحمل سياسة التقشف في انتظار تعافي الاقتصاد الوطني وحسبه في ذلك أن الشعب التونسي ليس وحده في هذا الخيار، بل هناك دول ديمقراطية تسير وفق نفس النهج كاليونان وإسبانيا والبرتغال. لقد علمتنا الثورة التونسية أن نميز بين الحرية المطلقة والحرية المسؤولة أو لنقل الحرية المواطنة.

 

 

 

شارك المقال