هل وصلنا إلى الخط الثالث؟

29/09/2016 - 10:55
هل وصلنا إلى الخط الثالث؟

من أكبر مشكلاتنا التسرع والخضوع لفتنة المفاهيم. الافتتان بمفهوم معين يجعلنا نعقد الوضع منذ البدء، ننقل مفهوما بعيدا عن واقعنا السياسي، ثم نحاول جر الواقع ليعانق المفهوم، وتمطيط المفهوم ليتسع للواقع، ونبذل جهدا ووقتا في استدلالات منحازة ابتداء، لا تستند على إبداع مفهوم يناسب إرادة « تحسين الواقع » أكان سياسيا أو ثقافيا أو اجتماعيا، وإنما توصيف الواقع من أعلى، وسحب دلالة المفهوم المختار على ظلاله.
كلامي هنا عن إقحام فكرة الخط الثالث في مشهد سياسي لازال لم ينفع فيه لا يسار ولا يمين، مشهد يتمتع بمناعة قوية ضد الإسلامي إذا انحاز إلى التحديث والحداثي إذا غض الطرف على التقليد، وفي ظرف انتخابي يمكن مقاربته واستشكاله من مداخل عدة، يكون مدارها الدفاع عن الخيار الديمقراطي، باستقلال واختلاف في الأسلوب والطرح، لكن دون الحاجة إلى اختلاق تصور سياسي يظهر فيه المجتمع أسير خيارين أحلاهما مر، ويكون السبيل لمفارقة هذا الواقع هو الارتماء في أحضان حزب يساري يلتزم بمحاربة الخيارين معا، ويجيز لنفسه القياس بين التوجهين وقتل الفارق.
هل المغاربة فعلا يعانون مع الرجعية؟ يعانون مع الحزب الإسلامي لأنه إسلامي؟؟ ولو فرضنا أنهم أرادوا تحويل أصواتهم في اتجاه آخر، فهل يصح تفسير ذلك بالرغبة في التحرر من إسار « الرجعية »؟؟ هل المعركة معركة إيديولوجية؟؟ وكم يبعد هذا المُنطلق في التفكير من منطلق حزب السلطة الذي تنتقده فدرالية اليسار الديمقراطي، والذي عاد بمناسبة الحملة الانتخابية للعزف على وتر التصدي للإسلام السياسي، بشكل يتماهى مع تلك المسيرة المستوردة من مسيرات المشرق التعيس، حيث تقسيم المجتمع إلى طوائف عقيدة دوله الفاشلة..
فدرالية اليسار الديمقراطي تجمع حزبي شجاع ومشهود لمناضليه بالالتزام الفكري والكفاءة العلمية والنزاهة ووضوح الموقف. ويمكن للفدرالية أن تمثل خطا أو طريقا ثالثا، لكن على الطريقة البريطانية لا المشرقية، وهو الطريق الذي يحيل على الجهود التي بذلها حزب العمال البريطاني، – وعدد من الأحزاب الاشتراكية الأوروبية- في عقد التسعينيات، من أجل تحديث نفسه ورفع قدراته التنافسية في الانتخابات بعد الهزائم التي تلقاها على يد المحافظين في الثمانينيات، والتي وضعته أمام أزمة خطاب وعمقت الهوة بينه وبين انتظارات الناس، وهو ما دفع الحزب إلى التخلي عن مجموعة من أفكاره الاشتراكية، لاسيما إصراره المتواصل على تأميم وسائل الإنتاج متى وصل إلى السلطة، والقبول، في الجانب الآخر، بشروط السوق الحرة، والانفتاح على القطاع الخاص، مع التأكيد على الرعاية الاجتماعية وضمان حقوق العمال في اقتصاد متحول، وصياغة تعاقد جديد مع الناخبين بمصطلحات جديدة خفتت فيها النبرة الإيديولوجية، لصالح نموذج سياسي جديد نجح في تجسير الهوة التي كانت قد تعمقت بين أفكار الحزب وواقع الناس..

شارك المقال