المصباح وتدبير زمن السلطة

06/10/2016 - 15:07
المصباح وتدبير زمن السلطة

خلال السنوات الخمس التي قضاها في الحكومة يدبر السلطة في دولة لها حساسية قوية من داء الديمقراطية، سعى حزب العدالة والتنمية إلى إيجاد صيغة جديدة في إدارة زمن الحزب في السلطة، تسمح بحماية رصيده السياسي وامتداده الشعبي، وفي الوقت ذاته القيام بالتنازلات المطلوبة للاستمرار في سلطة يصعب عمليا توليها دون التعايش مع جوهرها الاستبدادي وشبكات المصالح التي تخترقها من كل جانب.
خرج الحزب بنظرة مبكرة للطريقة التي سينتهجها خلال وجوده في السلطة، تقوم على فكرة « التعاون » التي طرحها الحزب بديلا « للتنازع » أو الصراع، وهي فكرة ضرورية من أجل حماية فكرة أخرى سابقة في أدبيات الحزب كانت – سنة 2011- ستتعرض لأول اختبار حقيقي لصلاحيتها وهي « الإصلاح من الداخل ». هل يمكن الإصلاح من الداخل؟
الحزب كان واعيا بأن فكرة الإصلاح من داخل المؤسسات، وفي ظل الاستقرار، ستصطدم مع الجوهر الاستبدادي للسلطة وشبكات الفساد التي تخترق المجال السياسي، لذا حاول التنبيه مبكرا لأن ردة فعله على اصطدامات مماثلة ستظل وفية للفكرة التي أسس عليها تمايزه مثلا مع جماعة العدل والإحسان، وبالتالي سيبقى الحزب بمنأى عن الصراع، لكن مواصلا طريق الإصلاح من داخل بيت السلطة.
هذا النهج هو ما انتقدته الحساسيات ذات النفس الديمقراطي العالي بالبلاد والتي اعتبرت أن فكرة التعاون – باعتبارها بديلا للصراع، أي الوقوف الصريح ضد قرارات بعينها حتى إن وصل الأمر إلى الاستقالة- لم تكن في حقيقة الأمر إلا غطاء لتخلي الحزب عن وعده بمحاربة الفساد والدفاع عن المطالب التي رفعها الشارع سنة 2011 من داخل المؤسسات، وترجمة نصوص الدستور إلى قوانين متطورة، والدفع بالنظام السياسي في اتجاه الملكية البرلمانية، وبالتالي فهي فكرة تخدم الحزب وتفتح لها بابا مفاهيميا يعزز به مقولة الإصلاح من الداخل التي تحتاج إلى مفاهيم فرعية أخرى، إضافة إلى التعاون، مثل « الصبر » و »الثقة » و »النزاهة » لتكسب مزيدا من الرسوخ.. رغم أن اللعبة برمتها تتم في وسط يصهر كل المفاهيم في جوهره الاستبدادي.
كيف حمى إذن الحزب رصيده السياسي وصورته كحزب ينشد تحقيق الديمقراطية وترسيخ دولة المؤسسات وحقوق الإنسان وحرية التعبير وسط مناضليه والمتعاطفين معه، وعموما ضمن الكتلة الناخبة التي تضع أصواتها في صناديق الاقتراع، وتلك الأصوات في صندوق الحزب، والتي أعطته تقدما غير مسبوق في الانتخابات الجهوية والجماعية الأخيرة؟
في نظري، استطاع الحزب أن يقاوم عمليات الصهر السياسي في قالب السلطة، وتجاوز الانتقادات التي وجهت لمفهومه عن التعاون وأمله في نجاعة الإصلاح من الداخل، عندما كسر بعض التقاليد والأعراف التي كانت تقتضي ممن يجلس على كرسي السلطة أن ينسى سبب وصوله إلى السلطة، أو يغير الوجهة التي أتى من أجلها إلى السلطة، أو يعتنق ذلك الحديث الحالم عن مغرب الحداثة والانفتاح والديمقراطية، ويتبنى الجهاز المفاهيمي للمخزن، أو يستسلم للنقد من تيارات يختلف مع طرحها ابتداء. فأن تتولى السلطة وتتبرم من فسادها، هذا ما يرى فيه المخزن كفرا بالنعمة، وما ترى فيه الحساسيات الديمقراطية نفاقا أو أقلها ازدواجا في الخطاب.
لكن لماذا لا يرى من يصوت على الحزب ذلك؟ البعض يبرر المفارقة بنفي صفة العقل والفكر والقدرة عن التمييز بخصوص الكتلة الناخبة التي تصوت للحزب، باعتبارها مجرد جماعة من الأشخاص المبرمجين indoctrinated وسلِيبي الإرادة. وهذا تصور بيّنُ الخرق. الجواب في أن الحزب نجح، إلى حدود الساعة، في تدبير زمنه السياسي الأكثر حساسية الذي قضاه في السلطة، وهذا النجاح هو ما يثير قلق وجنون الدولة العميقة…

شارك المقال