ما الإنسان؟

20/10/2016 - 10:50
ما الإنسان؟

قررت الجامعة البريطانية الشامخة والعريقة، أوكسفورد، كشف أمثلة من الأسئلة التي تطرحها خلال المقابلات الشفوية على الطلاب المترشحين لولوج مطاحن المعرفة وحقول الإبداع الخصيبة بمعاهدها وكلياتها الجليلة. وما أن كشفت الجامعة عينة من تلك الأسئلة حتى ضجت بذكرها ونقلها صحف البلاد، واجتهد القراء والطلاب والأساتذة في حل مغاليقها وكشف ألغازها وفك دقها وجلها، وتكاثرت المقالات وتناسلت الإجابات وارتفع عدّاد القراءات، وتحولت خطوة الجامعة الأولى في العالم (حسب آخر ترتيب للجامعات) إلى كشف مبين وفتح عظيم، لاسيما وأن الجامعة تجري سنويا مقابلات شفوية لـ 10 آلاف طالب يتنافسون على 3500 مقعد دراسي، الواحد منها يغير قصة العمر..
والظاهر من هذه الخطوة، أن أوكسفورد جامعة رقيقة الإحساس. تخشى على نفسية المترشحين شر الهواجس والأوهام. ولا تريد لخفقات القلب المتسارعة من فرط الارتباك أن تحول بينها وبين صيد العقول اللبيبة، وقطف الأزهار الأديبة، لا تريد لمن يدق أبوابها أن يتأثر بتلك الأوهام والأساطير التي تقول بأن أسئلة الجامعة ملغزة ومفخخة ومعقدة وصعبة وغامضة ومريبة، تريد أن ترفع حُجب الوهم وتكسر قيد الخوف، وتُيّسر ولا تعسر..وتبشر ولا تنّفر..تريد ما تريد، وهي سيدة الجامعات ولا فخر..
« ما الذي يجعل عملا أدبيا، أكان رواية أو مسرحية، داخلا في صنف الأدب السياسي؟ »، « حالة وفاة في كل أربع حالات وفاة في المملكة المتحدة تعزى إلى نوع من أنواع مرض السرطان، لكن في الفيليبين لا يتعدى هذا الرقم حالة وفاة في كل عشر حالات؟ ما هي العوامل التي يمكن أن تفسر في رأيك هذا الاختلاف؟ »، « في نظرك، متى يصح إلقاء اللوم على شخص ما؟ »…
هذه ترجمة بعض الأسئلة الخاصة بحقول الأدب والطب والفلسفة. الجميل فيها وفي طريقة طرحها أنها لا تبحث عن جواب صحيح معياري. تبحث عن الإبداع في تصميم جواب منطقي وألمعي. « بغض النظر عن التعليم الذي حصّله كل مترشح أو الفرص التي كانت متاحة له، يجب أن تكون المقابلة فرصة لإبراز شغفه وقدراته في التخصص الذي اختاره، بما أن مدار الأسئلة ليس على استعراض معلومات يحفظها من قبل »، الكلام لسامينا خان، المسؤولة عن قسم طلبات الترشح للدراسة بالجامعة. وأتمم جملتها بالقول مدار الأسئلة على قدرة الطالب على التعامل مع معلومات ليست بحوزته (بالضرورة)، كيف يدبر أمرها؟ ويفصل حكمها؟
وأنا أقرأ أسئلة أوكسفورد تذكرت تلك الأسئلة العليلة في الامتحانات الشفوية الشاردة والغريبة، بجامعات تبيح لأساتذتها توزيع الدروس المنحولة والمنقولة، وجمع المادة من كل سجل وكل كتاب دون بيّن جدوى ولا ظاهر معنى ولا واضح اتساق، جمعَ ألفاظ وأسماء ومفاهيم من فصول وأجزاء متنافرة من سيء الكتب ورديئها وركمها عند « مول الفوطوكوبي »، ويوم الامتحان هاتك يا أسئلة معقدة ومغلقة ومشكلة في قوالب التقليد والتحفيظ، أسئلة لو طلبُ من سائلها الإجابة عنها لكان في صدارة الراسبين في مادته..
وأكيد أني لا أعمم، بل وأبعد ما أكون عن ذلك، وأعترف لطبقة مخصوصة من الأساتذة الأجلاء، من المدرسة إلى الجامعة، بطرق تدريسهم المبدعة والمتطورة، وقدراتهم على تجاوز الأعطاب البنيوية للمنظومة ومدنا بتجارب تعليمية راقية وبالغة الأثر في النفوس، والحرص الدائم على حماية تلك الشعلة النقدية من الانطفاء.
أتذكر أمثلة كثيرة لهؤلاء، أذكر منها على سبيل المناسبة والمشاكلة مع أسئلة أوكسفورد، أستاذا كان يدرسنا مادة « مدخل لعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا » في شعبة الدراسات الإنجليزية بجامعة محمد الخامس بالرباط، سافرنا معه على مدار الحصص في عوالم الإنسان وأصله وعلاقته بالدين واكتشافه نور الحرف وتوظيفه رمزية الأسطورة وانتظامه في جماعات وتقلبه بين الكفر والإيمان، والقوة والضعف، والجماعة والتشرذم، والحرب والسلم، الفقر والغنى..ويوم الامتحان النهائي، تملكنا الخوف من أي جهة تأتينا « الضربة »، فكان السؤال صغيرا دقيقا مبدعا: « ما الإنسان؟ » What’s Man؟

شارك المقال