غيمة البدونة

31/10/2016 - 11:56
غيمة البدونة

بكل صراحة، لا أعرف إن كنت أحب حقا الدار البيضاء، ولكن الأكيد أنني مدمن عليها. هي سيجارتي التي لا أكف عن التشكي منها ومن مساوئها، أو تلك الكأس التي تمتص مخاوفي وهواجسي، ولا يتوقف «عقلي المجتمعي» عن نهري عنها.
لا أكف عن التذمر منها ومن حالها، وأردد عشرات المرات في اليوم: «الله يعفو علي» منها ومن أنشطة أخرى كثيرة تطوقني وتكبلني. ومع ذلك أظل أتسكع، راجلا أو راكبا، في شوارعها وأزقتها، بدرب السلطان أو بعيدا عنه قليلا أو كثيرا. وأحاول التعود على فوضاها و«بدونتها» التي مافتئت تزداد وتتوسع مثل مستنقع كريه. وحين يضنيني التسكع أنزوي في ركن بأحد مقاهيها التي مافتئت تكثر وتنتشر مثل السرطان، أو حاناتها التي أخذت تنضب مثل بحيرة وسط الصحراء، وأرقب هدير بشرها الهائمين، وأجدني عاريا ولا أملك من السلاح سوى أضعف الإيمان: الأسف لما آلت إليه هذه المدينة، التي تحتضن تربتها حبل صرتي، ودفء طفولتي البسيطة في ذلك الحي البسيط، وأحلام مراهقتي واستيهاماتها، وأحاول أن أأتمنها حاليا على خيباتي وما تبقى لي من آمال.
كانت الدار البيضاء، في تقديري أنا أحد أبنائها المدمنين عليها، مشروع حاضرة حقيقية -عمرانيا، وثقافيا، وسياسيا- قادرة على الأخذ بيد الكائن المغربي على الدرب المفضي إلى تحويله من مجرد لبنة صماء في جدار الجماعة إلى فرد كامل الفردانية، له القدرة على الفعل والتأثير في محيطه. وتكون، بالتالي، قاطرة للتغير المجتمعي الفعلي، مثلها مثل حواضر أخرى يقترن اسمها دائما بالتغيير والسعي نحو الجديد -ثقافيا واجتماعيا وسياسيا- مثل باريس أو لندن أو نيويورك… بل وحتى القاهرة، في زمن قد ولى بلا أمل في العودة.
بدل ذلك، حول النظام، ابتداء من الثمانينات بالخصوص، الدار البيضاء من مشروع حاضرة حقيقية إلى مخلوق مشوه له هيئة توحي بالمدينة وروح مشبعة بالبدونة.
لهذا الترييف المتعمد في تقديري وجهان: أولا، غرقت الدار البيضاء (أو أغرقت) في هجرة قروية مكثفة تسببت في تطويقها بأحزمة البناء العشوائي، التي أنتجت، بعد ربع قرن، العنف والتطرف. وحتى حين تم الشروع في ما سمي «محاربة» هذا النوع من السكن، الذي لا يضمن حتى الحدود الدنيا لآدمية الكائن المغربي، جرى تعويضه بعمران عنيف تغيب عنه شروط العيش الأساسية في المدينة، ولهذا فهو يتحول بعد بضع سنين فقط من إنشائه إلى «غيتوهات»، لسكانها لكنتهم الخاصة، بل وحتى ملامح معينة، تجعلهم يشعرون بالغربة والوحشة كلما ابتعدوا عن مساكنهم، ما يدفعهم إلى الانعزال أكثر فأكثر، ويرفع درجة العنف بينهم، وتجاه ذلك «الآخر» الذي يعيش في الطرف المقابل من هذه البيضاء.
ثانيا، أخذت جهات معينة بالدار البيضاء تعيش، خاصة في الـ10 سنوات الأخيرة، ركضا جنونيا نحو «عصرنة مزيفة»: مشاريع عقارية (بنايات وعمارات) وتجارية (أسواق كبيرة) براقة لا روح فيها، ولا تتوافق مع نسبة كبيرة من سكانها الذين يناهز عددهم الـ5 ملايين سنة.
وقد أخذ هذا السعي المحموم في خلق كيان عمراني هائل منقسم إلى شطرين، ينظر كل واحد منهما إلى الآخر بعداوة، سيرتفع منسوبها باطراد في السنوات المقبلة.
وآخر حلقة في مسلسل هذه العصرنة المزيفة ما تم إعلانه هذا الأسبوع: منح الدار البيضاء هوية بصرية كلفت 300 مليون سنتيم و«15 شهرا» في إعدادها! هوية بصرية متقشفة وعديمة الخيال، ربما تعكس الروح الجافة لهذا الكائن المشوه والتائه الذي لم يعد يحمل من المدينة سوى تلك القشرة الهشة التي تتفتت مع مرور الأيام.
أما الدار البيضاء، فقد كتب عليها، على ما يبدو، الانزواء في ذاكرة أمثالي، والاختباء هناك إلى أن تنقشع يوما ما غيمة البدونة الثقيلة التي تلبد سماءها.

شارك المقال