ذكرتني مأساة محسن فكري بذلك الشعور المرعب الذي غمرني عند أول لقائي بكتابات فرانز كافكا، لما شرعت قبل سنين عديدة في تلمس طريقي على درب القراءة مدفوعا برغبة مبهمة ولا تقاوم. كان النص بالفرنسية يحمل عنوان: « dans la colonie pénitentiaire » (مستعمرة العقاب). وكان يحكي عن قرية، أو بالأحرى عن معتقل، أعدّ المشرفون عليها آلة جهنمية تطحن المعتقلين، وسينتهي بها الأمر إلى طحن الضابط المسؤول عنها نفسه. غامت في ذاكرتي تفاصيل النص، وبقيت تلك الرجفة التي هزت كبدي المراهق آنذاك. هي نفسها التي غمرتني- ولعلها غمرت كثيرين غيري- لما شاهدت صورة جسد محسن وهو عالق في حاوية النفايات بعد أن سالت منها الروح.
هل علتْ عبارة « طحن مو » سماء الحاضرين لما كانت تلك الآلة تطحن محسن؟ التحقيق الأمني يقول لا. ولكن هذا التحقيق وقف عن سطح المأساة فقط. قد لا يكون أحد صرخ بها ولكنها دوت في سماء نفوسنا جميعا، سواء أولئك الذين لا يرون في الكائن المغربي البسيط سوى كتلة من الإزعاج لا ينفع معها سوى الطحن الرمزي والمادي، أو هؤلاء الكائنات المغلوبة على أمرها التي تحس أنها تعيش بين ثنايا آلة رهيبة لا تكف عن طحنهم، بالتهميش الاقتصادي والقهر الديني والحكَرة الاجتماعية.
كانت قسوة ما جرى عصية على الاحتمال، فخرج المغربي تلقائيا إلى الشارع ليحرر ذلك الألم المنغرس هنا في الصدر مثل نصل حاد، ويصرخ غضبه في وجه كل من يشدون بخناقه.
كان صرخة مفزعة لهم، وبدل الانكباب على معالجة أسبابها، راحوا يرون فيها بوادر « فتنة »، وأخذوا يذرون رماد الخوف في السقوط في الفوضى، ناسين أو متناسين أن بذور عدم الاستقرار تكمن في ثنايا الإدارة الفاسدة.
لم تكن الفتنة قط نتيجة التنفيس عن الغضب الذي يلهب الصدور، بل هي دائما وليدة العلاقات غير السوية بين مختلف مؤسسات المجتمع وبين الكائنات المكونة له.
صحيح الغضب قد يكون مطية ممارسات ديماغوجية شعبوية، وقد يفضي إلى الفوضى وعدم الاستقرار. وإن حدث هذا الأمر، فإنه يقع في المجتمعات التي لم يصل فيها الكائن بعد إلى مرتبة الفرد الفاعل في محيطه. أما في المجتمعات التي يتمتع فيها الأفراد بكامل فردانيتهم، فالغضب والنزول إلى الشارع لا يفضي إلى الفوضى، بل إلى التغيير الإيجابي، ولنا في ما يجري في مدن وعواصم الديمقراطيات أمثلة كثيرة.
لذلك من الأوْلَى، في مجتمعنا المغربي، الذي لم يبلغ فيه المرء بعد مرتبة الفرد، معالجة أسباب الغضب بدل الوقوف عند الخوف منه ومن تبعاته، أو الاستفادة من ديناميته لإطلاق تغيير مجتمعي حقيقي لا يقف عند الروتوشات. فحتى « الفتنة » التاريخية، التي سالت بسببها الكثير من الدماء في بداية الإسلام كان لها جانبها الإيجابي، إذ « أغنت الواقع الإسلامي بدينامية لا مثيل لها في تاريخ الإسلام »، على حد تعبير المؤرخ التونسي هشام جعيط.
شريط الأخبار
وعكة صحية تُدخل عادل بلحجام غرفة العمليات
أولمبيك الدشيرة يعلن فك الارتباط مع المدرب مراد الراجي بالتراضي
المركز الروسي للعلم والثقافة بالرباط يحتفل بالذكرى81 لانتصار الشعب السوفيتي
القناة الأولى تراهن على الدراما التراثية من خلال سلسلة « بنت_الجنان »
ندوة دولية بالدار البيضاء تضع الهجرة تحت مجهر البحث الأكاديمي
2500 درهم لحضور حفل وائل جسار بالدار البيضاء يثير الجدل
السينما المغربية تستقبل فيلم “التسخسيخة” لسعيد الناصري
عمر بن عيدة يقدّم كتابه حول الجهوية والتنمية الترابية
طنجة: انتشال جثة طفل عمره تسع سنوات لقي مصرعه غرقا في بركة « سد مغاير »
ضحى الرميقي تطرح عملها الجديد « محايني » في فيديو كليب بتقنيات الذكاء الاصطناعي