الفتنة أشد من القتل

07/11/2016 - 12:50
الفتنة أشد من القتل

امحمد مالكي
فتحت قضية المرحوم « محسن فكري » الباب واسعا أمام موجات الاحتجاج في أكثر من حاضرة ومدينة مغربية، وأمَدَّت الفضاء الأزرق بمادة دسمة من التعليقات، والروايات، والاتهامات والاتهامات المضادة، حول طريقة موته، التي لن يقبل بها أي مغربي تربطه ببلاده علاقة الوطنية الصادقة، والولاء المفعم بالمحبة والتقدير. والواقع أن مأساةَ وفاة مواطن بسيط، يُغالب ظروف العيش، ويُكابِد ضنكَ قسوته، لم يكن أن تمُرّ دون أن تُشعل في نفوس الناس حرقة الشعور بالإهانة، والإحساس بالدّونية، كما لم يكن مفاجئا أن تستقطب أكثر من تضامن في الداخل والخارج على حدّ سواء.
ما يجب أن يكون واضحا ومفهوما، لمن يظن، أو ما يزال يظن، أن المغرب قابل لأن يُحكم بعقلية التسلط، أن هذا منطق ولّى عهدُه، وانتهى زمانُه، وأن البلادَ قطعت أشواطا لا رجعة فيها على طريق هجرة هذه العقلية وتطليق أساليبها، وأن مغاربة اليوم لم يعودوا في عمومهم قادرين على التعايش مع هذا المنطق، ولا مستعدين العيش مع من يقاومون عبثا من أجل استمرار ممارساته. فمن جهة الالتزامات الدولية، حسم المغرب اختياره بالتوقيع على المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، بعد أن كرس منذ عام 1992 اعترافه بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا. والأكثر من كل هذا، أقر في وثيقة دستور 2011 مبادئ دستورية لم تكن مُعلنة ولا مُصرح بها من قبل، لصيانة كرامة الإنسان وحقه في العيش متكافئا مع أقرانه. فلأول مرة قضى الدستور في فصله العشرين (20( بأن « الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان، ويحمي القانون هذا الحق »، كما أضافت الفقرة الأولى من الفصل الحادي والعشرين (21) على أن « لكل فرد الحق في سلامة شخصه وأقربائه وحماية ممتلكاته.. ». أما الفصل الثاني والعشرون (22) فتم تكريسُه بكامل فقراته لحماية سلامة الإنسان، وحُسن معاملته، وصيانة كرامته، واعتبار أية ممارسة مخالفة لهذا جريمة يعاقب عليها القانون.
نحن مطالبون باحترام الدستور باعتباره الوثيقة الأسمى في البلاد، وما وقع للمرحوم « محسن فكري » يتنافى مع أحكام المواد 20/21/22 من دستور 2011، من حيث واقعة الوفاة في ذاتها ولذاتها، بغض النظر عمن كان وراءها أو مسؤولا عنها.
يعي كاتب هذا العمود تمام الوعي أن الكلمة الفصل في واقعة وفاة المرحوم « محسن فكري » من اختصاص جهة أو جهات التحريات والقضاء، وأن من السّابق لأوانه تحديد الجهة أو الجهات المسؤولة قبل إعلانها عن نتائج ما أسفرت عنه دراساتها وتحرياتها. لكن من حق المغاربة البقاء يقظين حُيال متابعة خطوات التحريات وعمل القضاء، كما من حقهم المطالبة بإحقاق الحق في هذه الواقعة وتبعاتها. ومرة أخرى نحن مطالبون، احتراما لوثيقة الدستور والتزاماتنا الدولية، أن نحرص على موضوعية التحريات ونزاهة القضاء وتجرده واستقلاله، وسيكون من العبث تكرار ما كان يجري في السابق حين كنا نجد أنفسنا أمام وقائع من هذا القبيل، أو أكثر منه خطورة، ولم تكن تتحمل الجهات الأمنية والقضائية مسؤوليتها بكل موضوعية وتجرد واستقلالية.
لابد من التأكيد بكثير من المسؤولية والإحساس بالخطورة في الآن معا أن الموت المأساوي للمرحوم « محسن فكري » فجّر غضبا شعبيا متعدد الأبعاد ومتنوع المرامي، وكشف عما يعتمل داخل المغرب العميق، وفتح عيوننا إلى أن رحلة ترسيخ عيشنا المشترك، وضمان بنيان أمننا واستقرارنا الجماعي، مازالت طويلة وشاقة، وأنها تستلزم منا الكثير من الشجاعة والتضامن. فقد لاحظنا في المظاهرات التي طالت بعض الحواضر المغربية ترديد شعارات لم يعرفها المزاج العام للمغاربة، ولا ألفتها ألسنتهم، كما تناسلت مطالبات ومطالب تجاوزت إطار التنديد بواقعة الموت المأساوي للمرحوم « محسن فكري ».. إنها مجتمعة قد تُفضي، إن تكاثرت وتوسعت دائرتها، إلى إشعال نار الفتنة « والفتنة أشد من القتل ».
لذلك، سيكون مجديا لنا جميعا ـ كمغاربة مقتنعين بأهمية الأشواط التي قطعتها بلادُنا في مضمار بناء الديمقراطية ـ أن ننصت إلى دروس هذه الواقعة، وأن نصغي لردود أفعال الناس على عفويتها وضعف تنظيمها أحيانا، وأن نعالج الموضوع بقدر عال من الوطنية الصادقة، والحرص غير المحدود لنفاذ القانون على كل من ثبتت في حقهم تهمة التورط في الموت المأساوي للمرحوم « محسن فكري ».. ثم علينا أن نمتلك شجاعة التوجه إلى مصادر الخلل وجذوره، وليس الاقتصار على التصدي لفروعه وأطرافه الثانوية.. فبائع السمك بالتقسيط ليس هو ناهب الثروة السمكية بانتظام وعلى الدوام.

شارك المقال