في ذكرى معركة الهري.. القرية التي قاومت المحتل "استعمرتها" العزلة والإقصاء!

09/11/2016 - 00:31
في ذكرى معركة الهري.. القرية التي قاومت المحتل "استعمرتها" العزلة والإقصاء!

المكان :قرية الهري، الزمان :زوال يوم حارق.. ليس هناك ما يدل على أنها رمز للتاريخ، بل رمز لملحمة صنعها مقاومون رفضوا الخضوع والانحناء، ورفعوا شعار المقاومة في وجه المستعمر الفرنسي الذي استهدفت سياسته الاستعمارية إذلال الأطلسيين وتركيعهم، وخاضوا في سبيل ذلك معارك ضارية سجلت بمداد دم أحمر في سجلات التاريخ.

غير أن التاريخ نفسه تنكر للقرية التي شهدت ملحمة الهري، وحول حفدة موحا أوحمو الزياني إلى « رعايا » يعيشون على هامش الفخر الذي صنعوه؛ طبعا من خلال الواقع الحزين لسكان قرية الهري الذين يعانون مرارة التهميش والإقصاء، ويطالبون في صمت بالتفاتة حقيقية من لدن المسؤولين الذين أخلفوا موعدهم مع المجد الذي صنعته القرية، وأيضا مع سكانها الذين احتفظوا بإرث ونخوة المجاهدين الزيانيين بسفوح وجبال الأطللس المتوسط.

قرية الهري.. الماضي قبل الحاضر

تقع قرية الهري على نحو 10 كلم من مدينة خنيفرة، وبالضبط على الطريق الرئيسية في اتجاه مدينة مراكش، مرورا بتيغسالين وزاوية الشيخ وقصبة تادلة، وهي عبارة عن تجمع سكاني يضم بيوتا طينية عتيقة ملتصقة بعضها ببعض، عدد سكانها حسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2004 هو 9424 نسمة موزعة على 1641 أسرة.

إن العابر أو الزائر لقرية الهري لا يستنتج ملامح البطولات التي سجلها المغاربة، وخصوصا أهل زيان من الأمازيغ؛ فالتاريخ غائب أو مغيب تماما، اللهم تذكار يتيم لا ينظر إليه أحد بسبب موقعه المحجوب عن العين، وكل ذلك يدفع إلى مساءلة التاريخ مجددا والبحث فيه عما يؤكد أحقية سكان الهري بالتفاتة بسيطة من المسؤولين المحليين والمركزيين، لأن الاهتمام بموقع تاريخي شهد ملحمة الانتصار هو اعتراف بماضي المقاومة المغربية وإشادة بالدور الريادي الذي لعبه سكان القرى والبوادي في سبيل قهر المستعمر وكبح طموحاته التوسعية.

تحتفظ كتب التاريخ وأرشيفات المقاومة بتفاصيل معركة الهري التي وقعت في نونبر سنة 1914، حيث يتأكد من هذه المصادر إصرار القوات الفرنسية على تشتيت المقاومة الأطلسية، لأنها كانت سندا لمجموعة من الحركات الجهادية بالمغرب، وخصوصا بجهة تادلة أزيلال، فضلا عن الهاجس الحقيقي الذي كان يسكن الإدارة الاستعمارية والمتمثل في ضرورة ضبط حرمة التنقل بين الوسط والجنوب، ولن يتأتى لها ذلك إلا بإخضاع أهل زيان بخنيفرة والقرى المتاخمة لها، على اعتبار أنه المعبر الاستراتيجي الذي يربط مدينة فاس بمدينة مراكش.

لكن طموحات المقاومة كانت أكبر من ذلك بكثير، والتحمت المقاومة بمعسكر الهري تحت قيادة موحا أوحمو الزياني، وحمي وطيس الحرب حتى اعتقد المستعمر أنه قضى على المقاومة، خاصة وأن استراتيجية القائد موحا أوحمو الزياني كانت توهم بتحقيق النصر للكولونيل لافريدور، لكن المفاجأة ستحصل حينما التحقت بالمعركة قبائل مجاورة عززت الآلة الحربية الأمازيغية، وحققت المقاومة انتصارا باهرا شهد له الخصوم قبل الحلفاء.
معركة 2

أرشيف تاريخ وتأصل قرية الهري

« أصل سكان الهري من الشرفاء.. وتاريخ القرية يعود إلى القرن 17م »، كان هذا تصريح أحد الباحثين في التاريخ الأمازيغي صادفه « اليوم24 » بمشارف مدينة خنيفرة، حيث يتضح من طريقة تناوله لتاريخ القرية اطلاعه على تفاصيل استقرار سكانها، فضلا عن علاقاتهم وتاريخهم السياسي، وخصوصا على مستوى مقاومة المستعمر، وفي هذا السياق يؤكد ارتباط أجداد القبيلة بالشرفاء المتحدرين من مناطق جبلية مجاورة لخنيفرة.. استقروا بالهري منذ أزيد من 3 قرون، ولتعليل ذلك يدعو الباحث والمهتم الأمازيغي إلى تأمل البيوت الطينية والآثار التي ما تزال عالقة، واستنطاق هذه الأخيرة هو بحث في عمق التاريخ الاجتماعي للأصل الأمازيغي، وكذا التاريخ السياسي الذي كتبته المقاومة على عهد موحا أوحمو الزياني.
معركة1

من حرب المستعمر إلى حرب الفقر 

عاين « اليوم24″ الوضع الاجتماعي لسكان قرية الهري، والفقر المدقع الذي تعيشه شريحة عريضة من سكان القرية، ويبدو ذلك واضحا من خلال مساكنهم الطينية المتشققة، وأبواب البيوت الضيقة والمتهالكة، بالإضافة إلى السقوف اللوحية التي باتت تهدد حياة قاطنيها ليل نهار.

يقول أحد الأطر التربوية العاملة بالثانوية الإعدادية الهري، في تصريح للموقع : »ندرس التاريخ في موقعه الحقيقي.. قرية الهرية شاهدة على المعركة التي تدرس في كتب التاريخ، لكن التهميش الذي يطال القرية لا يذكره التاريخ ».

هذا، وتأكد افتقار القرية لجل مرافق العيش والترفيه، فلا خدمات صحية في المستوى ولا مرافق اجتماعية ولا مشاريع أو استثمارات تضمن للسكان قوت يومهم، إذ يلجأ بعضهم إلى تربية المواشي والفلاحة، وآخرون تقتلهم العطالة ويقضون يومهم على السور الطويل بجوار محطة سيارات الأجرة.

شارك المقال