الثنائيات الثقافية

15 نوفمبر 2016 - 10:27

إذا انطلقنا من الثنائيات التي نوظفها لتصنيف الأشياء والمواقف والتمييز بينها، نجد أنها تتأسس على مقتضيات البحث العلمي وإجراءاته. إن هذا التمييز يسمح لنا بمعاينة الظواهر وتمايز بعضها عن بعض، وخصوصية كل منها، في علاقتها بغيرها من الظواهر، كما أنه يتيح لنا فهمها بدقة وهي تتحول وتتغير.
انبنت هذه العملية التصنيفية والتمييزية على الثنائيات واتخذت بعدا علميا في التحليلات العملية والنظرية في الحقبة البنيوية. يعني هذا أن التمييز على أساس الثنائيات قديم قدم الفكر البشري. نجد التمييز الثنائي في لغات الحياة اليومية والعلمية، ومنهما نجده يمتد إلى الإيديولوجيا ليصبح أساس الاختلاف بين التصورات والمواقف والمبادئ، والثقافات (…)
إن عدم إعطاء هذا التمييز الثنائي دلالاته الجديدة والمتحولة في التحليل، مع ضبط الاختلافات، تبعا لسياقات التحول الجديدة، لا يمكن إلا أن يعمل على تجاهل عوامل تطور المفاهيم، ويجعل المواقف والتصورات تسقط في متاهات التأويلات التي لا تطور الأفكار. وبذلك تبتعد عن رؤية الأشياء في حقيقتها وهي في تطور، وينعكس ذلك على الممارسة التي تغدو غير ملائمة ولا قادرة على التفسير والتغيير.
كثيرا ما أتعجب من استعمال ثنائيات مثل، رجعي وتقدمي، وحداثي وتقليدي، أو حداثي وعقلاني وعلماني في مقابل الظلامي، وثوري ورجعي. ولو تتبعنا هذه الثنائيات في الاستعمالات في المجال الفكري والإعلامي والثقافي، لوجدناها متعددة ومختلفة. ونلاحظ الشيء نفسه في الدراسات الأدبية، حيث التمييز بين الشكل والمضمون، والتجريب والتأصيل، والنقدي والثقافي، لا تخفى على المتتبع الاستعمالات الأولى، التي هيمنت في السبعينيات تحت تأثير التمايز بين الاشتراكي والرأسمالي، والصراع بينهما على المستوى السياسي والفكري. أما الثانية فقد سيطر التمييز بين الشكل والمضمون، على المستوى الأدبي في الحقبة نفسها، وإن تشبع بكون المضامين أهم من الأشكال. أما التمييز بين التأصيل والتجريب، فساد خلال الثمانينيات، والنقدي والثقافي في أواخر التسعينيات، وبدايات الألفية الجديدة.
أجدني الآن أتساءل: ما الذي يعطي بعد الملاءمة لمثل هذه الثنائيات رغم تبدل السياقات الثقافية والاجتماعية؟ وماذا تقدمه لنا من أجل فهم دقيق للواقع، وتفسير للظواهر، من أجل خلق اصطفافات جديدة، في النظر والعمل، بهدف التغيير؟ وتتولد من هذا السؤال أسئلة أخرى من قبيل: فمن، وما هو «الرجعي» الآن، وما هي السمات الذي يمكننا أن نعطيها إياه لجعله مختلفا عن التقدمي؟ ويمكن قول الشيء نفسه عن التمييزات الأخرى. فهل يكفي أن ندعي أننا «تقدميون»، بالمعنى التقليدي والمتقادم للكلمة، في تمايزها عن «الرجعية»، لنكون فعلا «تقدميين»؟ أم لأننا كنا «تقدميين»، بالأمس، سنظل كذلك أبد الدهر؟ وهل يكفي الآن (في 2016) أن ندعي أننا «تجريبيون» في كتابة الرواية، لنزعم أن إبداعنا يحظى بالراهنية والطليعية؟ وهل التمييز بين «الحداثي» و«التقليدي» الآن يكتسب الدلالات والمعاني التي كان يختزنها في الخمسينيات والستينيات؟ نعرف أيضا أن الاهتمام بـ«الثقافي»، هو وليد أواخر الخمسينيات، فهل حين نقدمه الآن بديلا عن «النقدي» نكون أكثر حداثة ممن ما يزالون يتحدثون عن النقد؟
تسلمنا كل هذه الأسئلة إلى تأكيد أن الثنائيات حين نوظفها بدون مراعاة سياقات التحول تحجب عنا معاينة الوقائع والظواهر في تحولها، وتجعل تحليلاتنا وليدة أزمنة سابقة ولا تتلاءم مع التطور، وبالتالي عاجزة عن الفعل في الواقع. ولعل في ذلك إعطاء الذات نوعا من الوهم والاطمئنان الإيديولوجيين اللذين لا يقدمان ولا يؤخران.
من هو «الحداثي» و«التقدمي» الآن؟ من هو «الظلامي» و«النوراني»؟ من هو «الشكلاني» ومن هو «الثقافي» ومن هو «التجريبي»؟ أسئلة كثيرة أجدني أطرحها، وأنا أعاين الالتباسات المتعددة التي تهيمن على مثل هذه الاستعمالات في اتصالها بالعديد من الثنائيات. وحين تفرغ هذه الثنائيات من مقوماتها الدلالية الجديدة التي بات يفرضها واقع التحول، محليا وعالميا، كيف يمكننا أن نخلق بذلك اصطفافات «ثنائية» جديدة تدفع في اتجاه «التقدم»، و«التغيير»؟
لقد تحول العالم كثيرا بعد سقوط جدار برلين، وبعد التحولات التي ولدتها التكنولوجيا الجديدة للمعلومات والتواصل. وبدون وضع هذه التحولات الكبرى في عين الاعتبار سنظل نقيس عالم اليوم بتصوراتنا عن عالم الأمس الذي انتهى وانقضى. وحين نعجز عن مواكبة هذه التحولات وعن التفكير فيها بطريقة ملائمة، لا يمكننا سوى الاطمئنان إلى جاهز تصوراتنا للعالم، ولن يسلمنا ذلك إلا إلى «التخلف» عن العصر، أي العجز عن خلق ثنائيات جديدة من أجل «التقدم».
عن “القدس العربي”

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.