إحباط كروي

17 نوفمبر 2016 - 13:00

لا بأس أن ترى المملكة في استضافتها لقمة مؤتمر الأطراف في الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ، كوب 22، حدث ما بعده حدث، وأكبر أسباب تحقيق الإشعاع وتعزيز صورة المغرب في العالم، وشغل بعض المساحة ونيل بعض الوزن في الساحة الدولية والإعلام العالمي، وتسجيل مساهمة البلاد في خدمة الأرض، والكائن المغربي لا يعترض على هذا التصور، ولا يُعادي البيئة، ويحارب مع الدولة “الميكا” بصبر وتفهم رغم ندرة أو بؤس أو ترهل أو غلاء البدائل المقترحة لحد الآن لتعويضها.
وبشكل رمزي، سعى المغربي إلى التعبير عن دعمه لبلاده ومساندته لسياستها في مجال البيئة، وهو يحضر بكثافة للمباراة التي نظمت بمكان الحدث العالمي ذاته، مراكش الحمراء، واصلا بين الحدث الكروي والحدث البيئي، داقا الطبول، رافعا رايات البلاد، منيرا ضوء الهواتف، راسما نجمة المملكة على خده وفي جبينه وعلى كفيّه، وفي قلبه أمل وليد بفوز صغير يبعث فيه بعض الدفء والفرح، معتقدا أن المشاركة في كأس العالم بروسيا 2018، تعد بدورها من أسباب الإشعاع والفخر، وبها تشغل البلاد مساحة بصرية في وسائل الإعلام العالمي، باعتبار كرة القدم، لازالت إلى اليوم، تحظى بأجل الاهتمام وأعلى نسب المتابعة، كما أن تحقيق هذه المشاركة سيمثل نقطة مضيئة تزين بروفايل وسجل بلاد يحدوها الطموح لاستضافة مونديال 2026.
على الأرض، سيفاجأ الجميع بفئة من اللاعبين، لا ندري أي معايير اعتمدتها تلك البيروقراطية الكروية المتشدقة والمتعالية في اختيارهم، لازالوا لم يطبّعوا بعد علاقاتهم مع الكرة، تمريرات هاوية وتسديدات شاردة وإحباط وإهدار لجهود البقية وانهيار تام في الربع ساعة الأخيرة، وكأن صدورهم تختزن الدخان لا الأوكسيجين. ومرة أخرى، سندخل المنافسة على التأهل من باب الحسابات الضيقة، ويصير الوصول إلى موسكو مرتبطا بعوامل متشعبة ومتأرجحة، بعدما كان مرتبطا بعامل واحد وواضح ومباشر: الفوز.
في آخر مرة فكّت فيها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم عقدتها مع بادو الزاكي، وإثر موجة الغضب وعدم الفهم التي سادت بين الناس جراء القرار، انتشر بسرعة البرق خطاب إعلامي يقزّم وعي جماهير الكرة ويُعلي من راية السدنة الكروية الحاكمة، وسلامة قراراتها، ويصوّر المتباكين على رحيل الزاكي على أنهم أسرى التعلّق بالأشخاص وأن أفهامهم البسيطة تجعلهم يربطون بشكل مغلوط بين النتائج الإيجابية واستراتيجية الزاكي، فيما حسابات الربح والخسارة مرتبطة بمعايير وظروف وإجراءات وتكتيكات واختيارات متعددة ومعقدة ومتغيرة وما إلى ذلك من خطاب متشدق.
وبدا كأن الجامعة أخذت على عاتقها مهمة تحرير الجماهير المغربية من التعلق بالأشخاص، ورفع الغشاوة والحجب عنها لترتقي للتعلق بالأفكار والنتائج والبرامج، والكف عن الاعتقاد أنه لمجرد أن الزاكي حقق نتائج لم يضاهه فيها مدرّب آخر منذ 2004 – لهذا السبب الصغير فقط – يصح تخليده على رأس قيادة الأسود..
نادت الجامعة على المدرب تلو الآخر، وراكمت الخيبات، وساهمت على العكس من مبتغاها في تكريس “الشخصية الآسرة” (charismatique) للزاكي، وترسيخ منجزه كلحظة مشرقة في عقد كروي مظلم، وفي توطين عدم الثقة في المدرب الأجنبي عموما. الآن لن نطالبكم بعودة الزاكي، نريد فقط النتائج التي وعدتم بها، نريد أن نرى بديلا واقعيا للمنتخب الذي تحطّم مرات متلاحقة بسبب حسابات ضيقة.
كرة القدم، في نظري، تنتج سلوكيات حادة ومتطرفة وسيئة وانقسامية كلما دارت بين الأندية، وتميل إلى الاعتدال وإنتاج سلوكيات مهادنة وروح جماعية عارمة وأثر مُوحد، كلما اتصلت بالمنتخبات والفرق الأولى تنعكس إيجابا على تمثل كرة القدم. وعلى من يملك سلطة محاسبة المسؤولين عن أوضاع المنتخب المتردية، ألا يُقصّر مشكورا..

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.