اللعبة الرديئة

24 نوفمبر 2016 - 10:20

تبذل جهدا كبيرا للفهم، تسأل الساسة، تحاول وضع تصريحاتهم المتقلّبة أكثر من تقلب العواصف الهوجاء في الجزر الاستوائية في سياقها، تفك شيفرات وطلاسم ردودهم البئيسة والرديئة، تقرأ آراء وتحليلات المختصين في علم السياسة لها، تتابع تعاليق الناس المتذمرة عليها في الشبكات الاجتماعية، تستدعي الماضي القريب والبعيد، تغمس أصعبك داخل لعبة الكلمات والمواقف العكرة هاته، ثم ترفع أصبعك المبلل إلى السماء لتتحسس اتجاه الريح، فقط لتجد نفسك مرة أخرى أمام البنية العميقة ذاتها وأحزابها ومخلوقاتها السياسية الشرهة والمتوحشة، وكلها منخرطة في حرب مفتوحة ضد الحد الأدنى من المعنى والوضوح في حقل سياسي لازال من يقاطعه أكثر ممن يشارك فيه، وصامدة بقوة في جبهة العبودية الطوعية والمختارة للاستبداد، وكل ما تعرفه هو أن عبودية الاستبداد، كرها أو طوعا، تُدر المنافع وتحمي المصالح وتفتح مسارب للهروب من المساءلة بعد سنوات من حلب ضرع البلاد.
للأسف، الواقع السياسي لهذه البلاد يوشك أن يجعل المرء يُطبِّع مع الرداءة والعبث والضحالة السياسية التي تُعبر عن نفسها نهارا جهارا، أمام الملأ، دون حياء أو وجل، خارج أي أعراف أو قواعد شريفة أو منطق، وإلا ما الذي يمنع إلى الآن من تشكيل الحكومة؟ كان سيكون هذا التأخير صحيا لو كان لأسباب ديمقراطية أو مبدئية أو اختلافات فعلية في التصورات والرؤى، لكن الأمر مختلف تماما، ويتعلق بأسباب مرضية. بعدم اكتراث بنتائج الصناديق. وكأن الإرادة الشعبية خذلت الإرادة النخبوية عندما لم تعط “البام” الصدارة، فصار لزاما تصويبها وتعديل “تطرفها”.
بماذا؟ بالتجمع الوطني للأحرار. من هو التجمع الوطني للأحرار؟ حزب إداري آخر عادي وغير مؤثر في الساحة السياسية، لكنه بقدرة قادر يمكنه أن يتحول إلى غرفة عمليات مركزية تدير قرارات بقية الأحزاب التي يحتاجها بنكيران إلى إتمام أغلبيته تحت غطاء التوافق وتقاطع الرؤى. حزب شقيق لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي بلغ ذروة احتراقه الوظيفي في الانتخابات الأخيرة، فقط ليهمد على مقاعد المعارضة ويتفرج، من هناك، على بديله السينمائي يتمم الدور.
يبدو أن الوصاية على الشعب، من أفراده إلى أحزابه، فرضُ عين على مهندسي الدولة العميقة. لابد من وضع مخططات “أ” و”ب” و”ج” و”د” وصولا إلى الياء، لتكون النتائج الشعبية متوافقة مع المزاج الرسمي والتوجه الحداثي المُفترى عليه. ففي المغرب النتائج الشعبية هي التي تحتاج إلى البر بالمزاج الرسمي وتفادي عقوقه. والحزب الذي حصل على المركز الأول هو المُطالب بحل أزمته في تشكيل الحكومة. وإذا شعر بالغصة، فلا يلومن إلا نفسه يوم تساهل في أمر العتبة ومراجعة التقطيع الانتخابي وما إليهما من قوانين، وأحسن الظن بغير الله…
في بلاد مثل أمريكا يمكن للإرادة الشعبية أن تحمل إلى الرئاسة من تشاء، وتربك الأسواق المالية والأحلاف والدول الصديقة والعدوة، و”تعقّد” النخب، وتهز أركان “السَّدنَةُ الحاكمة” the establishment، وتخذل طلبة ونشطاء الجامعات العريقة، ثم يخرج الرئيس المنتهية ولايته ليذكر الشعب بأن السياسة “هي هادي” مرة معك ومرة ضدك، ويُهنئ الرئيس الجديد ويضع فريقه وخبرته في خدمته إلى حين تنصيبه. المهم هو خدمة الأمة الأمريكية ومصالحها الاستراتيجية (بغض النظر عن اختلافنا مع أخلاقية هذه المصالح).
هناك من قد يعترض بالقول، نحن لسنا أمريكا. تلك جمهورية وهذه ملكية. تلك رئاسة دولة وهذه رئاسة حكومة. ذلك نظام “مُعَقَد” وهذا نظام “مْعقّدْ”. واعتراض “نحن لسنا..”، اعتراض يشتغل على تبرئة الذات من واقع الاستبداد بالإيهام بأنه يقصد بنفيه (لسنا) المؤسسات والمباني والقوانين المكتوبة، وكأنه يجيب عن سؤال “لماذا لا نحترم إرادة الناخب مثل ما يفعل الأمريكيون ؟” بـ”لأننا لسنا أمريكيين..”، وكأن احترام صناديق الاقتراع قيمة محصورة في التراب الأمريكي، لا تتحقق إلا إذا كان النظام جمهوريا أو المواطن أمريكيا.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.