عالمنا "سائل".. مفرط السيلان

15/12/2016 - 10:39
عالمنا "سائل".. مفرط السيلان

ابتكر زيغموند بومان، وهو مفكر كبير ومنسي بدرجة أكبر ولن يعود الحديث عنه سوى بعد موته (بطل حرب في الجيش الأحمر، وفيلسوف شيوعي بـ »وارسو » قبل أن يغادر الحزب وبولندا في 1968، بسبب معاداة السامية، ليصبح أستاذا للفلسفة في بريطانيا)، مفاهيم تسعفنا كثيرا لفهم عالم اليوم. فبعد أن وضح كيف انتقلت الدولة الديمقراطية الحديثة من دور « البستاني » إلى مجرد « حارس للطرائد » (garde-chasse)، نظر لتداعيات إيديولوجيا الحرية المطلقة التي انخرطت فيها ديمقراطيات السوق، وصف عالما يتكون من أفراد أنانيين تحولوا إلى مستهلكين خالصين، مستعملا استعارة « المجتمع السائل » (societé liquide) ابتداء من 1998. مثل هذه المجتمعات تكون « مفرطة الهشاشة ». تخيلوا سفينة، مهيأة لنقل منتجات صلبة، فإذا بحمولتها تتحول فجأة إلى سائل. فهذه السفينة لن تقوى على مقاومة أدنى تأرجح تتعرض له مع أول عاصفة تهب.
إن هذه الاستعارة تنطبق على التطور الاقتصادي والمالي والثقافي والإيديولوجي للعالم، وكذلك على التطور السياسي للديمقراطيات: فالآراء يمكن أن تتحول فيها فجأة من هذا الجانب إلى الجانب المعاكس من الرقعة: وقفنا على هذا الأمر مع « البركسيت »، وانتخاب ترامب، واستفتاء إيطاليا، وانتخابات النمسا. وسنعيش الأمر ذاته- إن لم يتغير شيء- مع الانتخابات الرئاسية الفرنسية.
لا شيء محسوم: الانتخابات التمهيدية لليمين- التي تم فيها اختيار مرشح من طرف ناخبين أكبر سنا بكثير من المعدل الوطني- لا تنبئ أبدا بنتيجة الانتخابات الرئاسية. ويتعين على اليمين الجمهوري- وعلى الصحافيين كذلك- الاحتراز من اعتبار أن انتخاب فرانسوا فيون مضمون مسبقا.
إن الرأي متقلب، غير وفي، أناني، وليس من شيمه بتاتا الثبات والوفاء والإيثار، حين يتم دفع الناخبين إلى التصرف كمستهلكين، ولا نعرض عليهم سوى مشاهد متخمة بأنانيات المرشحين، والتكتيكات التي تنبع منها. من هذه الزاوية، فإن الشخصيات التي توجد في أفضل موضع هم رجال ونساء السياسة الذين يعتبرون منتجات جديدة، تحمل وعودا مغرية بقدر ما هي مبهمة.
في هذه اللعبة، يمكن لـ »مارين لوبين » و »إيمانويل ماكرون »- رغم أنهما متباعدان عن بعضهما بسنوات ضوئية – أن يكسبا الكثير. فكلاهما يجسدان وعدا بالجديد؛ كلاهما يرمزان إلى الرغبة في قلب الطاولة، الرغبة في نوع من الثورة الهادئة، للقضاء نهائيا على طبقة سياسية فقدت كل مصداقيتها؛ كلاهما يتجنبان الحديث عن برنامج مفرط في الدقة. وبالتالي، وفي هذه اللحظة التي أخط فيها حروفي، فهما اللذان سيتقابلان، حسب تقديري، في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية، رغم كل ما تقول به استطلاعات الرأي. بيد أن هذين المرشحين سيكونان على خطأ بدورهما إن ظنا أن النتيجة مضمونة لهما مسبقا. فلا شيء حُسم البتة.
من الضروري أن نعمل على جعل عالمنا هذا « أقل سيولة »، وأن نعيد إليه قواعد القانون، وآفاق المستقبل. ومن الضروري، بالنسبة إلى فرنسا بالخصوص، مطالبة المرشحين بالكشف ولو عن الخطوط العريضة لبرنامج يتحلى بالمصداقية. طبعا من مساوئ هذا الوضوح بالنسبة إليهم، أنهم سيخيبون آمال ناخبيهم الذين لا يرون نفعا في الأمر، ولكنه سيجعلهم رجال سياسة مثل الآخرين، يسعون وراء الأصوات مقابل هذه الوعود. وهذا ستكون له ميزة مهمة بالنسبة إلى البلاد تتجلى في ضخ الحياة والحيوية في شرايين ديمقراطية تحترم المبادئ والقواعد، الثابتة والقوية، التي تشكل عظمتها.
ترجمة: مبارك مرابط عن « ليكسبريس »

شارك المقال