رجاء القاتل القبيح

21/12/2016 - 14:05
رجاء القاتل القبيح

تخيل شخصا يمسك بقايا الجثث التي تخلفها الانفجارات وعمليات القتل، ويخيط بعضها ببعض ليصنع منها جثة، وبشكل عجيب تدب الحياة في الجثة المجمعة من أطراف بشرية ضامرة فقدت لحمتها تحت وابل من الرصاص أو بعبوة ناسفة أو بسيف قاطع في عملية إعدام جماعي. كل طرف يجر وراءه قصة قتل بشعة، كل طرف يرى أنه ضحية، وكل طرف من الأطراف التي خِيطت منها الجثة التي دبت فيها الحياة، يطلب الثأر. مهمة الوحش، المُشَكَّل من كل هذه الأطراف هو الانتقام لكل جزء، فوراء كل جزء (عين، ذراع، قدم) ضحية.
تخيل معي، أيضا، أن كل طرف من أطراف هذا المسخ يذوب ويضمحل بعد أن يحصل على ثأره. إذا كانت يدا تسقط تلقائيا بعد أن يقتل الوحش من تسبب في فصلها عن جسدها الأول. لكن الوحش يحتاج، بعدها، يدا جديدة لينتقم لباقي أجزاء الضحايا المتفرقين قددا في جسده المخيف. ماذا يفعل لحل المشكل؟ يركّب يدا جديدة بدل القديمة، يأخذها من جثة أخرى من بين عشرات الجثث التي تسقط في ساحة الحرب كل يوم، لكنه يصير مطالبا بالثأر لصاحب اليد الجديدة، والأمر ذاته مع كل جزء جديد.
لنستمع للوحش « وظلت الأجزاء القديمة تسقط، ليضيف فريق مساعديّ أجزاء أخرى، هكذا حتى انتبهت أنني، على وفق هذه الخطة، أمام قائمة مفتوحة لا تنتهي (…) وبِتُّ آمل أن ينتهي القتل هناك في الشوارع، حتى ينتهي « إنتاج » الضحايا، وأنتهي أنا بدوري ذائبا في مكاني. لكن القتل كان في بدايته ».
هذا مقطع صغير من بين مقاطع جملية وعميقة أخرى من رواية « فرانكشتاين في بغداد » للروائي العراقي أحمد سعدواي، الذي يشتغل الوحش في روايته بالطريقة التي حاولت تقريبها لك عزيزي القارئ في الفقرات أعلاه. أما النكتة القاتمة، فهي أن تعرف أن الوحش نفسه يرجو لو يذوب وينتهي من القتل، لكنه أمام ما يقترب من مصنع للضحايا والأطراف البشرية يشتغل بدوام كامل في الشوارع. الكل يقتل الكل، والكل يرى أنه ضحية، وكل ضحية تطلب الثأر، وكل ثأر يخلف ضحية، تطلب بدورها الثأر…و »فرانكنشتاين » يواجه مهمة لا يبدو لها قرار.
مرت خمس سنوات على الحرب في سوريا، و »ماكينة » القتل والتشريد مستمرة، النظام لا يمانع في أن يحكم دولة مكونة من الأشباح والشبِّيحة، والفصائل تقاتل النظام وتقاتل بعضها وتقاتل بالوكالة لغيرها، النظام يعتقد أنه يحارب الإرهاب، والفصائل ترى أنها تحارب إرهاب النظام، والكل يقتتل من أجل السلطة، والعرب يتفرجون على ما يقع، ولا يهمهم غير سلامة الكرسي، والغرب يبيع مبادئ الأنوار للإعلام والأسلحة للجناة والضحايا سواء بسواء، والوحش يهيم في شوارع العرب، يأكل من هذا وذاك، ولا أحد يدري متى يتحقق رجاء هذا المسخ العربي، فيريحنا ويرتاح من العذاب..

شارك المقال