امتحان الاستيطان

30/12/2016 - 13:45

أظهر انتخاب دولاند ترامب رئيسا للولايات المتحدة، تغييرا أساسيا في المرتكزات التي اعتمدتها الإدارة الأمريكية مند عدة عقود في التعامل مع النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، فقد جهر صراحة بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس كعاصمة أبدية لإسرائيل، كما أنه عين المحامي دافيد فريد مان، المعروف بتأييده المطلق للاستيطان، سفيرا لواشنطن بإسرائيل.

يبدو أن هذا المنعطف الخطير هو الذي دفع إدارة أوباما في أيامها الأخيرة، إلى التعبير عن موقف جديد بخصوص إدانة إسرائيل أمام مجلس الأمن، ومن تم قررت ولأول مرة منذ 36 سنة، ألا تستخدم حق الفيتو وأن تكتفي بالامتناع عن التصويت.

هكذا بادرت مصر مدعمة بدول أخرى بتاريخ 22 دجنبر، إلى تقديم مشروع قرار يدين الاستيطان ويطالب بالوقف الفوري لعملية البناء في سائر الأراضي المحتلة منذ سنة 1967، بما فيها القدس الشرقية، بل اعتبار ذلك أعمالا غير شرعية تشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي وعقبة كبرى أمام حل الدولتين وأمام إحلال السلام الدائم والشامل.

لكن وبعد أن استنفدت إسرائيل كل وسائل الضغط على الإدارة الأمريكية الحالية دون جدوى، لجأت إلى الرئيس المنتخب طلبا للمساعدة، حيث تبين أنه لم يتورع عن الاتصال مباشرة بالرئيس المصري ليحثه على سحب المشروع وهو ما تحقق له بالفعل.

إن مثل هذا الموقف بقدر ما شكله من صدمة لدى الفلسطينيين والعرب والمسلمين، فإنه أثار رد فعل صارم لدى كل من ماليزيا والسنغال ونيوزيلانذا وفنزويلا، التي بادرت دون مصر إلى طرح المشروع ومناقشته ليحصل على ما يثبته الإجماع بـ 14 صوتا وامتناع الولايات المتحدة عن التصويت.

 

إن ما حدث يؤكد حقيقة صادمة، وهي غياب التضامن أو حتى التنسيق العربي والإسلامي الذي لم يعد له مكان في عالم تتقاذفه المصالح الضيقة والرهانات الخاسرة.

من جهة أخرى، فإن تمرير ذلك القرار شكل فرصة نادرة في حياة النظام الأمريكي المتحالف مع إسرائيل، فهي فرصة لعملية انتقال السلطة أكثر من كونها تعبيرا عن التضامن مع الفلسطينيين. إذ لن ينسى الفلسطينيون أن إسرائيل استفادت في عهد أوباما من مساعدات تفوق 30 مليار دولار، وهي الأكبر بالنسبة لكل سابقاتها.

عندما سئلت الخارجية المصرية عن أسباب سحب المشروع، أشارت إلى أن الأمر يتعلق بإتاحة الفرصة للإدارة الجديدة في الولايات المتحدة للتعامل مع القضية الفلسطينية لتحقيق تسوية شاملة، في وقت تدرك فيه أن مثل هذا الوهم محض سراب.

 

وأخيرا ما الذي يمكن للفلسطينيين أن يفعلوه بهذا القرار؟

نظريا، هو قرار سيتوفر على نوع من الحصانة ضمن أرشيفات مجلس الأمن، فالإدارة الأمريكية الجديدة لن تتمكن من تعديله ما دام كل مشروع بهذا الخصوص مهددا بحق اعتراض باقي الأعضاء الدائمين.

 

لكن الأهم هو ما إذا كانت الخطوة المقبلة هي المحكمة الجنائية الدولية، والأكثر من ذلك ما إذا كان الاستيطان سيتوقف فعلا أم لا.

محمـد تـاج الديـن الحسينـي

أستاذ العلاقات الدولية

شارك المقال