أحيانا يُخيّل إليّ أن « المسار/ البناء/ الخيار الديمقراطي » بالمغرب يشبه أرجوحة. تدفعها بقوة إلى الأمام فقط، لتعود بك بقوة مماثلة إلى الخلف، وعليك أن تجد المتعة في حركة الأرجوحة التي توهمك بأنك بلغت عنان السماء في ذروة علوّها، قبل أن تهوي بك بسرعة إلى الخلف من جديد. ووفق هذا التصوّر المتخيل المجرّد، لا يمكن الحديث عن أي « بناء » لأي « مسار »، وإنما عن « تعليقه » بحبلي الأرجوحة، وتركه يعلو ويهوي بلا نهاية ولا قرار. فاللعبة مُسلية وليس من مصلحة أي طرف تغييرها. لا أحد يرغب في تجربة لعبة لا تعود بالبلاد والعباد إلى نقطة الصفر كل مرة، والعود أحمد..
وفي الأثناء، تتأرجح البلاد كلها بين خطابين على طرفي النقيض. خطاب دعائي برّاق ومنمق يتغنى بمحاسن الانتخابات ويعلي من شأن العملية الديمقراطية باعتبارها وسيلة مُثلى يعبر بها الشعب عن إرادته ويختار من خلالها ممثليه ويحاسبهم بعدها على ما فعلوا بأصواته، وأن البلاد منخرطة في حماية هذه الوسيلة بكل قوة والتزام، وأنها تؤمن بدور الأحزاب في تأطير الجماهير ورفع صوتها ومناقشة قضاياها وانشغالاتها داخل البرلمان والحكومة، أي من داخل المؤسسات، وخطاب ضمني عليل ومشوّه يقول عكس كل ذلك، ويهوي بكل تلك الأفكار إلى أسفل، ويشتم دين أم الديمقراطية التي تأتي بالإسلاميين للسلطة، كما كان يشتم دين أبيها عندما كانت تأتي باليساريين للسلطة.
مرت قرابة ثلاثة أشهر على إعلان نتائج الانتخابات، وأمر الحكومة لازال معلّقا بحبل الأرجوحة، معلّق لأن النظام الانتخابي لا يسمح لأحد بحصد المقاعد اللازمة لتشكيل الأغلبية لوحده، لأنه نظام صمم منذ البدء على قالب متذبذب. يمكن لصناديق الاقتراع أن تدفعك إلى الأمام بقوة، لكن « صناديق العجب » قادرة على إعادتك إلى الخلف بقوة أيضا. تلك الصناديق التي تمتلئ بالمناورات والمخططات والعجائب والغرائب والقوالب من كل الأشكال والأحجام، وكل مرة يخرج منها الساحر مخططا أو قناعا أو، أحيانا، حزبا كاملا ليلعب معك الأرجوجة..
في لحظة فكرت أن من أطرف وأغرب ما يمكن أن يقع في إطار سياسة الأرجوحة خلال هذه الأيام، أن يخرج حزب الاستقلال بإعلان غير مسبوق يقول فيه إنه قرّر عدم المشاركة في الحكومة من أجل مصلحة الوطن، وإنه يلتزم رغم ذلك بالمساندة النقدية الإيجابية الصديقة والودية لبنكيران من على مقاعد المعارضة، رفقة الرفاق المنكوبين في حزب الأصالة والمعاصرة. طبعا، الفكرة مبالغ فيها وآخر بلاغات الحزب التي يرد فيها على بلاغ وزارة الخارجية بخصوص تصريحات حميد شباط حول موريتانيا، تقول عكس ذلك تماما. صحيح. لكن ضمن تصوري للأرجوحة، لا يجب استبعاد أي فكرة مهما بدت شاردة ومتطرفة، لأن كل شيء يرتفع ويهوي باستمرار بين حبالها.
فكرت في سيناريو آخر، ضمن التصور المتأرجح ذاته، وهو أن يوافق حزب التجمع الوطني للأحرار على دخول الاستقلال، لكن بعد حمل بنكيران على الأخذ بقاعدة فقهية – سياسية جديدة تقول بعدم اعتبار عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب في توزيع الحقائب الوزارية بين الأحزاب المشاركة في أغلبيته، ووفقا لذلك يتولى حزب « الحمامة » عددا أكبر من الوزارات من تلك التي يتولاها حزب الاستقلال، وقريبا من عدد تلك يتولاّها حزب « المصباح »، في إطار الأرجحة السياسية لنتائج 7 أكتوبر..