فوضى 2016 ومخاوف 2017

01 يناير 2017 - 12:01

نودع اليوم سنة 2016 وليس في ذاكرتنا منها إلا المواجع، ونستقبل 2017 وليس في وسعنا إلا الأمل، حتى وإن كان كاذبا.

 

في 2016 وقعت أحداث سيئة، أولها صعود سياسي شعبوي فج إلى أقوى كرسي للقرار في أمريكا، وثانيها إقدام بوتين على دخول الحرب السورية، وتعميق الجرح هناك، وزيادة عدد القتلى والجرحى واليتامى واللاجئين، وتوسيع رقعة اللااستقرار في المنطقة كلها، وثالثها استمرار الفتنة في العراق، حيث يتطلب نزع شوكة داعش من الموصل انهارا من الدماء، والمشكل أن الحشد الشعبي يزرع في طريقه إلى القضاء على داعش ألغاما جديدة في أرض السواد. ورابعة المآسي التي وقعت السنة الماضية، تواصل الاستيطان الإسرائيلي، واستمرار تجاهل العالم لحقوق الفلسطيني، وخامسا دخول الحرب اليمنية سنتها الثانية بدون نقطة ضوء في نهاية النفق، وازدياد عدد القتلى والجوعى وصور الضحايا في شوارع أوروبا. سادسا، صعود اليمين المتطرف في أوروبا، والاتجاه نحو انعزالية قاتلة (protectionnisme) سيعمقان سوء الفهم الكبير بين الغرب والإسلام. سابعا، الانقلاب الفاشل على أردوغان في تركيا، وتردد القوى الكبرى في إدانته، إن لم يكن في تشجيعه. ثامنا، وجود مليار إنسان، وسط السبعة مليارات من البشر، لا يصلون إلى ما يكفيهم من طعام وشراب، دعك من باقي الكماليات التي لا يحلم بها مثل هؤلاء. تاسعا، ازدياد حرارة الأرض، وما تحمله من تقلبات مناخية تنعكس على كل دول العالم، وتهدد الحياة فوق الأرض، فالكوب22 في مراكش لم يشهد الحماس نفسه الذي صاحب الكوب21 في باريس. عاشرا، ازدياد الهوة بين الفقراء والأغنياء، أفرادا وجماعات ودولا، ومعه ازدياد الحقد والإحساس باللامساواة والرغبة في الانتقام.

 

هكذا يبدو نصف العالم الأسود، حيث تزداد مبيعات السلاح، وتنتفخ أرصدة أمراء الحرب، ويرجع الفكر البشري خطوات إلى الوراء، كما أن شعارات، مثل حوار الحضارات ووحدة الجنس البشري والأمم المتحدة والمساواة بين البشر والميثاق العالمي لحقوق الإنسان والقضاء على الفقر والمرض والقرية العالمية والاقتصاد الأخضر… تبدو وكأنها فصل في رواية حالمة، أو يوتوبيا بعيدة عن الواقعية لا يمكن أن تتحقق في يوم ما.

 

في مقابل هذه المآسي وهذا النكوص عن الفكر الإنساني، هناك علم يتقدم، وتكنولوجيا تكتسح، وأنترنت يصل ويفصل في الوقت نفسه (يصل بين الأفراد والجماعات ويفصل بين الأحلام والتطلعات)، وهناك ابتكارات مدهشة في الطب والصناعة والأدوية والاتصالات ونمط العيش، فاليوم هناك أربع شركات دخلت إلى جل بيوت العالم، وهي غوغل وفايسبوك وأمزون وآبل، وهذه الشركات لم تعد مشغولة بتسويق بضاعتها فقط، بل صارت تصرف مليارات الدولارات على بحوث وابتكارات تهم حياة البشر على الأرض (تمول غوغل مشروعا طبيا ضخما هدفه الرفع من الأمل في الحياة، وتنطلق من حقيقة أن الإنسان في الغرب كان معدل حياته قبل 100 سنة هو 54 سنة، واليوم صار في حدود 82 سنة بفضل تقدم الطب ووسائل النظافة ووفرة الطعام وتحديد ساعات العمل، فلماذا لا يتجاوز 100 سنة غدا مع كل التطور الذي يعرفه الطب والدواء والأبحاث الجينية والكشف المبكر عن الأمراض قبل وقوعها).

 

هكذا يمشي العالم بسرعتين وفي اتجاهين مختلفين، وهو الأمر الذي يدفع المرء إلى كتابة ثلاث ملاحظات عن أحوال البشرية في السنوات المقبلة:

 

أولا: لا توجد مكاسب نهائية على طاولة العالم، سواء في مجال الفكر أو السياسة أو الاقتصاد أو العقل أو الحرية أو حقوق الإنسان أو العدالة الاجتماعية أو الحرب أو السلم. كل شيء معرض للخطر، وكل القيم التي اكتسبت بفعل قرون من التطور يمكن أن تذوب في لحظات، كما تذوب الثلوج تحت أشعة الشمس. هذا هو درس البريكسيت في بريطانيا، وترامب في أمريكا، وصعود اليمين المتطرف في أوروبا.

 

ثانيا: الفوضى ستزداد في العالم لأن القانون غائب، والشرطي غائب، والمحكمة غائبة، والحكمة غائبة.. في مجتمع الدول، الديمقراطية محلية والسوق عالمية. القانون يتحرك داخل حدود كل دولة، فيما العولمة تخترق الجغرافيا، وفوق ظهرها يركب الاتصال والتواصل والشركات والسلع والإرهاب والجريمة والإعلام… وكل هؤلاء عابرون للحدود، بل لا يؤمنون بالحدود أصلا. هذا التناقض بين المحلي والعالمي، في غياب قائد أو غرفة قيادة، يخلق الفوضى، والفوضى تفتح الطريق لقانون الغاب، والبقية معروفة.

 

ثالثا: سيبقى العالم العربي وإفريقيا الساحتين الأبرز للحروب المقبلة، لأنهما الأضعف استراتيجيا، والأكثر اختراقا من قبل الفقر والفساد والاستبداد والطائفية والانقسامات العرقية والمذهبية، علاوة على غياب منظمات إقليمية قوية تعضد أمنهما القومي، مع وجود ثروات مهمة في بلدانهما، ومعابر استراتيجية للتجارة العالمية على حدودهما. أوروبا الغربية ودعت الحروب على أراضيها منذ 70 سنة، وأمريكا منذ 200 سنة، فيما روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا محصنة برابط «البريكس»، وتحاول أن تدفع مخاطر الحروب عن أراضيها، وتخطط للاحتفاظ بأسرع نسبة نمو في العالم، وهناك دول مرشحة للالتحاق بها، فيما العالم العربي ماتت فيه الجامعة العربية، وتوفي اتحاد المغرب العربي، وشل مجلس التعاون الخليجي، ودخلت منظمة المؤتمر الإسلامي في غيبوبة.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

السمّاك بن خرشة منذ 5 سنوات

كان عليك ذكر الروهينغا الذين يتعرضون للإبادة من طرف البوذيين ولو مجاملة

خالد منذ 5 سنوات

من أصدق التعاليق التي قرأت. صدقت يا أخي كما قال أحد العابدين: نحن في أمر لو علمه الملوك لجالدونا عليه بالسيوف

غير معروف منذ 5 سنوات

طارق ما دُمْت تُصر على تسمية المغرب الكبير بالمغرب العربي الكبير وهذه تسمية عنصرية ،،،،، اذن وفي إطار حرية التعبير نقول المغرب الامازيغي الكبير.

سعيد.حقاوي منذ 5 سنوات

الفوضى يا سيد توفيق بدأت كبرنامج رسمي ومعلن اسمه الفوضى الخلاقة....وتجسد في تدمير العراق وتقتيل فيادته وتشتيت اواصره بتأجيج الصراعات القبلية والاثنية والمذهبية...وهي نفس العملية من قبل في افغانستان والصومال...وتم تطويرها لتبلغ اقصاها في ليبيا وسوريا. ولست تدري لماذا قفزت على ليبيا ولم تذكرها لتعرف بحجم الدمار الذي لحقها والذي هو مستمر فيها ويكفي ان نقول ان بها اليوم اربعة حكومات ثلاث منها رسمية... وهي الصورة الاكثر درامية التي توضح حقيقة ربيع الصهيونية....وكيف كانت ستكون سوريا لو ينجح المشروع الصهيوني الاستعماري في اكمال اسقاط فيادتها ورئيسها....كما تم ذلك في ليبيا بعدوان اكبر قوة عسكرية في تاريخ البشرية...تحت ستار كذبات وتضليلات اعلامية وهمية...حقيقتها مثل حقيقة الاسلحة "المحرمة دوليا " في الحالة العراقية

al-amal منذ 5 سنوات

هناك شيء هام جدا برز في العامين 2015و2016 وسيستمر لعقود وعقود وهو الوعي البطيء ولكن المتنامي بخطورة الاسلام كديانة وكفكر وكنمط حياة وكأخلاق. كان الناس لا يفكرون في الاسلام إلا من حيث هو جملة وقائع تاريخية ومن حيث كونه يتفرد بممارسات غريبة عن العقل البشري والتحضر. ولم يكونوا يعرفون عن الاسلام اكثر من كونه ديانة بسيطة وبدائية حافظت على كثير من طقوس الوثنية كما عرفها العرب قبل اعلان محمد ديانته الاسلامية.. بدأى الوعي بوجود سور في القرآن تحث على القتل ، وأخرى تدعو إلى الكراهية، وسور تدعو إلى التمييز بين الناس، والأهم هو الوعي بان ما يهم الاسلام مثلما قال يوسف القرضاوي هو استعمار العالم باستغلال قوانين الديمقراطية والحرية وفي النهاية تطبيق لا قوانين الديمقراطية بل قوانين الشريعة، والوعي باحتقار المراة واعتبارها كائنا دونيا وقاصرا. هذا الوعي لم يكن فيه الفضل لاحد وانما يعود فيه الفضل الى انفضاح الاسلام بسلوكات اهله مثل القاعدة وداعش ومختلف اصناف ما يسمى سلفيين وجهاديين واخوان مسلمين وووو....كل الويلات التي يعيشها الانسان منذ عشرات القرون سببها المسيحية واليهودية والاسلام. ولن يحقق الانسان هدف السلم والاخوة الانسانية ما دام الدين يتحكم في رقاب البشر. انظر الى العنف الذي يمارسه البوذيون ضد المسلمين والهندوسيين ضد المسلمين . وانظر الى الرعب الذي يمارسه اليهود ضد المسلمين في فلسطين القديمة. وانظر الى الرعب الذي يمارسه المسلمون ضد المسيحيين والزيديين وووو. وانظر الى الرعب الذي مارسه الكاثوليك ضد الروتستانت. وانظر الى الرعب الذي مارسه سنة معاوية ضد شيعة علي. وانظر الى الكراهية السوداء التي يكنها كل سني للشيعي وكل شيعي للسني، وانظر وانظر وانظر....وانظر الى الفكر الاسود الذي تنشره الوهابية ضد كل من يخالفها تكتشف ألا خير في الدين أصلا. ينبغي للوعي بخطورة الدين ان يتنامى من أجل أن ينحصر وينحسر في الشرط الفردي ويرفع تسلطه عن الشرط الحماعي لبني الانسان. هذا هو الطريق الأسلم لكي يوجد الانسان كانسان مسالم.

Asmaemoussaoyi منذ 5 سنوات

...أكتب تعليقك

M.KACEMI منذ 5 سنوات

عالم الفوضى المتزايدة الذي نعيشه يقتضي من المغرب تحصين نفسه بتعزيز وتطوير قوته الذاتية، عبر المضي قدما في الإصلاحات الكبرى، وعلى رأسها تعميق المسار الديمقراطي

قارئ منذ 5 سنوات

أعداؤنا كثيرون، وأولهم المسلمون أنفسهم. وكأننا نقول لأعدائنا: لا تقاتلونا فنحن نكفيكم ذلك.

العقاد منذ 5 سنوات

لا نجد كلام للرد على النصف الأسود إلا بقول الحمد لله على نعمة الإسلام الذي تزداد قيمته ووتنفتح عيون النائمين عليه يوما بعد يوم فم نعمه أنك إذا التزمت بأهم تعاليمه تشعر براحة ما بعدها راحة ولو كنت وسط النيران والسبب بسيط لأنك لما تكون منسجما مع أصلك وتتيق في وعود ربك يرتاح ضميرك ولا تبالي بما قديصيبك وشكرا