"زرقاء الحمامة"

04/01/2017 - 13:14
"زرقاء الحمامة"

رأت الخطر المحدق قبل الجميع. الريح وشتْ لها وهي تُحلق عاليا في سماء الرب بأمور غريبة. رسمت لها الغيوم مشاهد مريبة. صور غريبة رأتها في طلعتها، من أعلى حيث يدبر الأمر. زوابع رملية تحجب الأفق بمسالك الصحراء الصديقة، أشواك حادة على زرابي حمراء، معارك طاحنة وأرض يباب، رايات وأبواق متفرقة، حزب يحمل رمحا، وآخر يحمل ذرعا، وأحزاب عارية  تراقب.. مشهد غريب. طلاسم وألغاز لم تفهم منها إلا أن طالعا سيئا ينتظر البلاد إن شارك حزب بعينه في سياسة العباد.

ظلت زرقاء الحمامة تُعارض مشاركة الحزب إيّاه ولسانها لا يبين. لا تدري ما تقول. لا أحد سيصدق ما رأت فوق. ما وشت لها به الريح وما ارتسم لها بين الغيوم.. فوق حيث تلمست بجناحيها غيظ الرب. ظلت تطير عاليا وتنزل وفي فمها مطلب واحد: الحزب إيّاه لا يمكن أن يسوس ولو شبرا واحدا من هذه البلاد، الريح تقول ذلك، ظلت تعلو وترسو على أغصان الليمون وتنشد اللحن ذاته: الاستقلال Out، قبل أي كلام..

ثم اتفق الجميع على أن نبوءة حمامة الأحرار تحققت. الأمين العام لحزب الاستقلال، حميد شباط، خرج بتصريحات مسيئة لدولة موريتانيا تنازع في شأن سيادتها. تصريحات لم يكن ممكنا أن تقرأ بمنأى عن تحذيرات حمامة الأحرار المتكررة، وعن موقفها الرصين والحكيم الرافض لمشاركة حزب الاستقلال. ولا كان بمقدور كل قصائد الاعتذار والندم أن تحرّره من طوق الحمامة. فشباط فسّر بلسانه المتفلت رؤى الحمامة الغريبة. الحمامة ذات النظر الثاقب التي تقف الآن على كتف أخنوش مزهوة بصدق نبوءاتها …

زرقاء الحمامة ستبدأ خلال هذه الأيام رحلة التفاوض مع بنكيران على كتابة نهاية متوافق عليها لهذا  الفيلم الحكومي البئيس، المعلّق بين السماء والأرض. « من يتولى ماذا لِمَ وكيف؟ ». توزيع الحقائب مسألة حاسمة جدا. عدد الوزارات ثم الأسماء التي ستتولى تدبيرها وإمكانية خروج بعض الوزارات من محمية « وزارات السيادة » إلى وزارات تسيرها الأحزاب الوطنية، ستقول الكثير عن معنى السياسة في هذه البلاد.

أما مساندة الاستقلال لـ »لمصباح » سواء شارك في الحكومة أم لا، فهذه مفارقة مغربية. الحزب الذي تصدّر النتائج لم يستطع أبدا فرض الاستقلال، طيلة أشهر، والاستقلال لم يستطع تدبير أزمة تصريح أمينه العام.

وفي الأثناء، تستعد زرقاء الحمامة لتحلق من جديد. لتفرد جناحيها وتطير إلى العلياء، لتغرس بصرها الحاد عميقا في بطن الأرض، تنصت لبوح الريح وترقب إشارات السحاب، وترى ما يرتسم في الأفق المديد من أمارات وعلامات تنبئ بأشكال الحقائب ولون الكراسي، ثم تعود لتحكي ما رأت في الأفق، بلسان قد يبين وقد لا يبين، حسب الأجواء، وحسب العلو، وحسب مستوى الانحدار السياسي.. فقياس ارتفاعها يبدأ من مستوى سطح ذلك الانحدار.

شارك المقال