يستدعي تهليل بعض المواطنين بمقتل السفير الروسي بتركيا وتصفيقهم لمرتكب هذه الجريمة وقفة تأمل، في منطلقات ومرجعيات هذا الموقف. إذ لا يكفي ربط المسألة بنوع من التضامن مع السوريين، لأن جميع الأطراف التي تتحارب فوق الأراضي السورية منذ خمس سنوات ارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة، ناهيك عن جرائم الإرهاب، بل وجب الغوص في طبيعة الهوية والشخصية المغربية.
فظهور هذه التعبيرات- في صيغة الفرح أحيانا والتشفي في أحايين أخرى- هي نتاج انغلاق هوياتي بدأ يحصل عند بعض المغاربة منذ بضعة عقود، بعد أن تميزت الشخصية المغربية بكونية روافدها الثقافية والهوياتية. ومن نماذج هذا الانغلاق التحاق عدد من المغاربة بالتنظيمات الإرهابية المنتشرة عبر العالم. وقد سقطت فيه كذلك نخبة من بعض الأحزاب والتيارات الإيديولوجية ذات المرجعية الدينية. وما السجال الذي رافق « التسونامي » الآسيوي ببعيد عنا.
من أين جاء هذا الانغلاق؟ وكيف برزت هشاشة الهوية المغربية؟ برزت هذه النتيجة، حسب اعتقادي المتواضع، من سيادة الأمية في المجتمع. إذ استغلت جماعات وجمعيات هذا المعطى، لتبذر بذور التطرف في العقول الفارغة، قبل أن تسقيها بمياه الوهابية القادرة على تخصيب أحلام الحوريات الجميلات. لكن المسألة لا تتوقف هنا. فماذا عن المتعلمين، ومنهم هؤلاء الذين صفقوا لمقتل السفير الروسي؟
بلا شك أن المشكلة مرتبطة بنمط المنظومة التربوية القائمة التي لا تفرخ سوى الفكر المحدود، ولا تسمح بتفجير الطاقات والمواهب، عوض تفجير القنابل والأبدان. لقد ارتكنت سياسات الحكومات المتعاقبة، منذ مرحلة السبعينيات إلى اليوم، إلى مقاربة تراثية متقادمة جعلت منها جدارا سميكا يصدّ تيار التنوير المطالب بالحرية والعدل والكرامة والمساواة والديمقراطية، إلخ. إذ مازالت هذه المقاربة قائمة إلى اليوم، رغم ما آلت إليه من نتائج سلبية، انتهت في كثير من الحالات إلى سفك الدماء، كما حدث يوم 16 مايو 2003 بالدار البيضاء.
لذلك، لابد من سلك سبيل الهوية المنفتحة، تلك التي تُربي الإنسان على الثقافة الكونية وقيمها، كالعقلانية والتسامح ونبذ التطرف والسلام والاختلاف والتعددية والاعتراف بالآخر، إلخ. ومما لا شك فيه أن في ذلك مصالحة مع تطور سيرورة الشخصية المغربية، التي نشأت وتشكلت وتطورت عبر تلاقح أصول وروافد متعددة: أمازيغية، عربية، إفريقية، رومانية، أوروبية، يهودية، إسلامية، إلخ. (هنا، لابد من تثمين القرار الذي اتخذه مجلس مراكش خلال الأيام الماضية، القاضي بإعادة « الملاح » إلى حي من أحياء المدينة، عرف بالوجود اليهودي).
أما الهوية الهشة والمغلقة، فلن تؤول في النهاية سوى إلى تحجر العقليات وتكلس التفكير، وإلى الهتاف والتهليل والتصفيق فرحا بالإرهاب أو الإرهاب المضاد. ومن هنا، فالمقاربة القضائية وحدها لن تكفي لمعالجة المسألة، بل الواجب هو مراجعة منظومة التعليم، لإنتاج منظومة القيم الكونية المنفتحة.