"الملعقة الصينية" لحل "البلوكاج"

11 يناير 2017 - 12:20

في حدود معينة، تتصل الأزمة الحكومية الحالية بتوظيف السلطة، أو جهاز التحكم، أو التحكم اختصارا، لأحزاب أليفة، استكملت مراحل التدجين بنجاح، من أجل اقتسام أرباح انتخابات 7 أكتوبر السياسية والرمزية مع حزب العدالة والتنمية، ثم الانتقال من الاقتسام إلى القضم، ثم من القضم إلى الهضم، “هنيئا مريئا”، مادامت الدورة الغذائية تتم طبعا في “إطار” المصلحة العليا للوطن، وتعزيز الديمقراطية وخدمة الشعب، وحسن سير المؤسسات، وتكوين حكومة قوية. ويكون التذكير والتهليل بالإطار ضروري، مهما خالفته أهدافك حد التناقض.

تأويل المصلحة العليا وكل تلك الشعارات الرنانة التي تدور في فلكها، تأويل مفتوح ومتحرر جدا ولا قيد عليه، ولا أحد يجازف بتحديد تصوّره له، أو مقصوده منه، لكن الكل يخوض به معاركه، ويصدّر به أفكاره وأرضياته، وقد يطالب بضمه إلى الحكومة باسمه، أو يطالب بفك الارتباط معها باسمه أيضا، المصلحة العليا دائما تملي على هذا وذاك، في هذا المجال أو في غيره. أسلوبان في الخطاب أنفرُ منهما كثيرا، الاحتماء بفكرة “الإجماع” والاختباء وراء مفهوم “المصلحة العليا”.

غير أن أزمة تشكيل الحكومة تحمل في حدود أخرى، إضافة إلى هذين الأسلوبين الخطابيين الواسعي الانتشار في البلاد، هناك وجه آخر لا يقل تحررا من قيد المنطق والمعنى. “كرنفال” متواصل من العبث السياسي الذي ينحدر كل يوم لقياسات سحيقة في هذه البلاد. بلاغ التركيبة الرباعية (حزب الأحرار والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري)، عامل جديد يُضاف إلى عوامل تعرية السياسي المغربي الأليف من ما تبقى من أردية التاريخ النضالي والكبرياء والمبادئ.

حزب يتمنّع عن المشاركة في الحكومة، ويختلف مع بنكيران، وينتقد طريقته في قيادة المشاورات، ثم يأتي ليقول إن من حقه أن يشارك في الحكومة التي يرأسها بنكيران لأنه جزء لا يتجزأ من التحالف الأزرق ولأن مصلحة الوطن تتطلب وجود عناصر فعالة. لكن “يا للخيبة”، بنكيران رفض عرض التركيبة الرباعية بعناصرها الفعالة…

ماذا يعني كل هذا؟ العبث. عبث بدأ بانقلاب شباط من خصم بنكيران اللدود إلى حليفه الحميم، ليتواصل باشتراط حزب الأحرار خروج الاستقلال، ثم برفض بنكيران وتمسكه ببقاء الاستقلال داخل الحكومة المرتقبة بأي ثمن، ثم بتخليه عنه لأن “الإجماع” يقول إن دخوله الحكومة لم يعد ممكنا بعد تصريح أمين “الميزان” العام المسيء لدولة موريتانيا، ثم ببداية الحديث عن أغلبية حكومية مكونة من الأحزاب ذاتها التي كانت مشكلة منها النسخة الأخيرة من حكومة بنكيران، ثم عودة الأحرار ليطالب بإضافة حزبين. ستة أحزاب، ولِم لا تُضاف إليهم فرق المظليين، تقنوقراط ينزلون بسلام فوق كل ذلك. ما ​تعريف كل ​هذا؟

​شيء قريب من الموّال الشعبي المصري: “يا طالع الشجرة..هات لي معك بقرة،” الذي ألهم توفيق الحكيم مسرحية في العبث. فاللامعقول يجعل من الممكن أن تتسلق البقرة إلى أعلى الشجرة وتنام هناك، أو أن تنمو الأبقار وتتدلى من أغصان الشجر، وممكن، أيضا، أن تطلب من أحدهم أن يقطف لك بقرة، أو يتسلق الشجرة ليحلبها لك..”تحلب وتسقيني.. بالملعقة الصينية”، كما يجعل فك أزمة “البلوكاج” ممكنا بالملعقة الصينية. إنه سر العبث..

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

حسيب محمد منذ 5 سنوات

ما يقع من تجاذب سياسي بين من يصنفون انفسهم سياسيون ـ أصحاب الحل والعقد ـ جعلني أرى العبث الذي وصفه الأستاذ عصام واعيس في رأيه الأسبوعي من زاوية كوميديا الأطفال إن جاز التعبير, وكأنه سلسلة للرسوم المتحركة الشهيرة السنافر, ذوو البشرة الزرقاء و صراعهم المتواصل مع شرشبيل الشرير بوصفاته السحرية الفاشلة, وتدخل بابا سنفور الحكيم لإنقاذهم. علما أن لكل سنفور خاصية معينة كما نراه في ساساتنا المحترمين. ما نرجوه هو ان ينتهي هذا العبث المسنفر قريبا, لأن الواقع المغربي لا يحتمل .......