لم يتحكم آلاف الحاضرين في أنفسهم يوم الثلاثاء العاشر من يناير 2017، وهم يتابعون في مدينة « شيكاغو » خطاب وداع الرئيس الأمريكي « باراك أوباما »، بل انطلقوا عفويا وبحماسة كبيرة في ترديد شعارات أثنت على أدائه خلال ولايتين متتابعتين، وطالبوه بالاستمرار في ولاية ثالثة، فكان ردّه « أنه لا يستطيع، وأن بلاده ليست مملكة، أو نظاما ملكيا »، علما أن الدستور الأمريكي يمنع، منذ وفاة الرئيس « روزفلت » أواسط الأربعينيات من القرن الماضي، الترشح لأكثر من ولايتين اثنتين.
يُعدّ خطاب الوداع في عُرف الديمقراطية الأمريكية لحظةَ إعلان نهاية ولاية الرئيس، والاستعداد لاستقبال الرئيس المنتخب، وهو ما سيحصل ابتداءً من 20 يناير 2017. كما يُعتبر مناسبة لإظهار نقاط قوة حصيلة الرئيس المنتهية ولايته، والآفاق التي يتمنى على بلده السيرَ على طريقها، والمحاذير التي يودّ التنبيه إليها لتجنبها مستقبلا. وخطاب الوداع، كأي خطاب وداع، يكون عادة مُوزعا بين العقل والعاطفة، وهو ما عكسته عبارات « أوباما »، وهو يودع الأمريكيين بمعية زوجته وابنتين، ونائبه « جون بايدن ».
اختار »أوباما » بوعي مدينة « شيكاغو » ليُلقي خطابَ الوداع، لأنها شكلت بوابته الأولى للانطلاق في اتجاه مؤسسة الرئاسة، وهو ما أكده بقوله: « جئت إلى شيكاغو أول مرة للعمل مع مجموعات الكنيسة والعمال، وشاهدت قوة الإيمان والإنسان المكافح ». ليُضيف: « يحدث التغيير فقط، عندما ينخرط الناس العاديون في العمل، ويجتمعون للتغيير ».. إنه التغيير الذي مازال يحلم به ويدعو إليه، على الرغم من مرور ثمانية أعوام على حكمه. أما موضوعات الخطاب فغطّت الداخل والخارج معا، وتطلعت إلى ما ينتظر أمريكا، وما يجب أن تكون حريصة عليه.
كان طبيعيا أن يحظى الحديث عن « الإرهاب ومحاربته » بحيز واضح في خطاب الوداع، كما كان منتظرا أن يشمل كلام « أوباما » الإشارة إلى « الإسلام والمسلمين ». فحول موضوع « الإرهاب » شدد « أوباما » على « أن أي منظمة إرهابية لم تتمكن من مهاجمتنا في الأعوام الثمانية الماضية، ولن يستطيع أي شخص يهدد الولايات المتحدة أن يعيش في سلام ». كما أعلن بقوله: « أنا أرفض التمييز ضد المسلمين الأمريكيين »، قبل أن يؤكد على أنه « لا يمكن لنا أن ننسحب من المعركة العالمية من أجل توسيع الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة، بغض النظر عن الجهد المبذول ».
أما داخليا، فبدا في خطابه نوع من الاطمئنان الحذر من حال « الأمة الأمريكية »، حيث أكد على أن « أمريكا باتت أفضل مما كانت عليه من قبل، وأن الديمقراطية لا تتطلب التجانس، بل الإحساس بالتضامن بين أفراد الشعب، وأنها لن تنجح إلا إذا شعر الناس أن أمامهم فرصا اقتصادية ». ليُضيف « الأغنياء يدفعون الضرائب أكثر، ومعدلات البطالة انخفضت أكثر من أي وقت مضى، ولو استطاع أحد أن يأتي بخطة تحسن الرعاية الصحية، فأنا سأدعمها تماما ». ومع ذلك لم يتردد خطاب الوداع في التنبيه إلى أن الحال الاقتصادي الأمريكي ليس على ما يرام، وأن « الاقتصاد لا يعمل بالطريقة المطلوبة، خاصة مع غياب المساواة »، في إشارة إلى الفجوات الاجتماعية التي يُعاني منها الأمريكيون. يُضاف إلى كل ذلك المنحى المتصاعد لنزعة العُنصرية التي تخترق باطراد المجتمع الأمريكي، والتي اعتبرها « أوباما » تهديدا للديمقراطية في الولايات المتحدة.
أنهى « أوباما » ولايتين رئاسيتين وعمره لم يتجاوز خمساً وخمسين سنة، ليسلم مفاتيح البيت الأبيض بعد أيام لرئيس في سن السبعين، إنه « دونالد ترامب »، الذي أجمعت وسائل الإعلام على « استثنائيته »، وفرادة مساره، وقد توجس الغرب والشرق مما سيقدم عليه حين توليه السلطة دستوريا ابتداء من 20 يناير 2017.. لكن من زاوية أخرى، أنهى « أوباما » سنوات حكمه وفي رصيده أشياء سلبية كثيرة، سيما في المنطقة العربية تحديدا، فخلال فترته تم استنبات تنظيم « داعش » بالعراق وسوريا، وتحولت ليبيا إلى دولة فاشلة، ولا يُعرف على وجه اليقين كيف سيكون الحل في اليمن « السعيد ».