مع توالي الضربات الموجعة الموجهة للمخابرات الأمريكية، شرع الباحثون الأمريكيون يبحثون هذه الظاهرة. إذ يخصص الكاتب الأمريكي إدوارد إبستاين كتابه الجديد الموسوم بـ: « كيف فقدت أمريكا أسرارها » لدراسة حالة إدوارد سنودن، الذي فجر فضيحة تنصت أمريكا على المواطنين ليس في أمريكا، بل في العالم كله.
في سنة 2013، أقدم إدوارد سنودن، عميل وكالة الأمن القومي، على نشر وثائق تخص بمراقبة الحكومة الأمريكية مواطنيها. بعد ذلك، أصبح سنودن يحتل المرتبة الأولى في قائمة المطلوبين للعدالة الأمريكية. وقد فعل جوليان أسانغ، مؤسس موقع « ويكيليكس » الأمر ذاته، عندما شرع قبل أكثر من عشر سنوات في نشر وثائق سرية تهم وثائق دبلوماسية لسفراء أمريكا في الخارج. إذ طرحت هاتان الحالتان العديد من الأسئلة حول الرجلين: هل كانا بطلين في نظر الأمريكيين، أم خائنين ومخبرين وجاسوسين؟ تأتي الإجابة عن هذا السؤال، وأسئلة أخرى كثيرة، بالتركيز على الرجل الأول في كتاب « كيف فقدت أمريكا أسرارها: إدوارد سنودن.. الرجل واللص » لمؤلفه الكاتب والباحث الأمريكي إدوارد إبستاين.
في هذا الكتاب، يستحضر إبستاين خلاصة تجربته الصحفية في التحقيقات، حيث يطرح العديد من الأسئلة من أبرزها: كيف تمت سرقة أسرار المخابرات الأمريكية؟ وما طبيعة الرجل الذي سرقها؟ وما الدوافع التي جعلته يقوم بعمل كهذا؟ كما يتساءل: كيف سعى سنودن إلى العمل للحصول بطريقة سهلة على المواد السرية الأكثر حساسية؟ منذ البداية، يشير الكاتب إلى أن سنودن استعان بمصادر خارجية تعمل في المجال الأمني. كما ينفي أن يكون سنودن قدم خدمات للمواطنين الأمريكيين، كما يدعي، بل يعتبر أن العملية تمت وفق ارتباطات خارجية عن طريق مخابرات سرية.
يقترح إبستاين، في كتابه، طريقة أخرى للنظر في قضية سنودن، تنطلق من اعتباره جاسوسا. إذ يذكر أن سنودن كشف أن وكالة الأمن القومي في الولايات المتحدة تتجسس بشكل غير قانوني على المواطنين الأمريكيين، لكنه يقول إنه حصل في الحقيقة على ما يقرب من مليون وثيقة ليس لها علاقة بذلك، ولم يعط أي منها للصحافيين. وهنا يتساءل: ماذا حدث لها؟ كيف يمكن لمتعاقد في الوكالة، دون أن يملك الإذن الرسمي للوصول إلى المعلومات، أن يحصل على وثائق بهذا الحجم؟ ولماذا اختار أن يعلن نفسه للعالم من هونغ كونغ، ولماذا بقي في موسكو منذ مغادرته هونغ كونغ؟
في هذا السياق، يعرض الكاتب بعض الخطوط العريضة التي يمكن أن تشكل جوابا عن هذه الأسئلة، حيث يعتقد أن سنودن اخترق، ربما، وكالة الأمن القومي عن طريق روسيا أو الصين، أو عن طريق استخبارات الدولتين معا، أو، ربما، جهة أخرى لم تُعرف حتى الآن. لكن الكاتب الأمريكي نيكولاس ليمان يعلق على ما يطرحه إبستاين، بالقول إنه لا يجد سندا في الواقع.
ومما يقوله الكاتب عن قصة سنودن وشبكة علاقاته الواسعة الداخلية والخارجية: « حتى لو كان الرأي العام الأمريكي المستفيد الجزئي مما كشفه إدوارد سنودين، إلا أن المستفيد الرئيسي هو روسيا ». كما يعتبر أن « سرقة سنودن لأسرار الدولة.. تطور- بشكل متعمد أو غير متعمد- لكن بالضرورة، في سياق مهمة كشف أسرار قومية أساسية لقوة أجنبية ». ويبدو أن إبستاين استعان في هذا الموقف على مخطوط لوزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر، الذي يفترض أن هروب سنودن إلى روسيا يأتي نتيجة لصفقة تبادل المعلومات، حيث يشير إلى أن سنودن وجوليان أسانغ، ودائرتهما المباشرة من الحلفاء الذين جاؤوا من ثقافة اختراق الليبرالية الراديكالية الأمريكية، يبدو أنهم في كثير من الأحيان لا يعتقدون أنه ينبغي أن يكون هناك وكالة أمن قومي في الولايات المتحدة كما هي في شكلها الحالي، سواء بقيت في صيغتها القانونية أو لم تبق، ولكن هذه الثقافة تناقض ما يؤمن به الكاتب، الذي يعد مناصرا قويا لمهمة وكالة الأمن القومي الرسمية « للتنصت على الاتصالات»، والتي يراها كعنصر أساسي في قدرة الولايات المتحدة على المشاركة في »لعبة الأمم ». وهنا يخلص الكاتب إلى أن اعتماد الوكالة على المتعاقدين من القطاع الخاص مثل سنودن، بدلا من الموظفين المهنيين جعلها عرضة بشكل خطر للاختراقات الأمنية.
لم يكن الدور الذي لعبته وسائل الإعلام في جعل سنودن أحد المبلغين عن انتهاكات المخابرات الأمريكية منطقيا، كما يرى الكاتب، وهو يأتي كشكل جديد من أشكال الغطاء على آخرين. إذ يشير إلى أن الإعلام الليبرالي نفسه الذي يشجب الآن صداقة ترامب المزعومة مع بوتين كان متفائلا حُيال إقامة سنودن في موسكو. كما يرى أن الإعلام لعب دورا كبيرا في حمايته، وكان الأجدى اتخاذ موقف مختلف حول المعلومات التي سربها.