مستقبل استطلاع الرأي!

16 يناير 2017 - 13:57

تخوض مختلف وسائل الإعلام الغربية، الأمريكية والفرنسية على الخصوص، نقاشا عميقا حول مستقبل تقليد “استطلاع الرأي”. ومما دعا إلى هذه المناقشة الواسعة إخفاق المستطلعين في جس نبض الناخب الغربي، الذي بدأ يعتنق ميولات يمينية شعبوية تصل حد التطرف أحيانا. والدليل على هذا ما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي بعض دول أوروبا الغربية.

لقد قلب فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب المعادلة في هذه الممارسة التقليدية، التي لا يتجاوز هامش الخطأ فيها 3 في المائة في أقصى الحالات. إذ وقعت وسائل الإعلام الأمريكية في حيص بيص، لكن قواعد هذا التقليد وضوابطه ومناهجه، وكذا اعتماد التكنولوجيا في طرق اشتغاله بات الآن موضع مساءلة وتمحيص ومراجعة. والغاية من كل هذا هي الوصول إلى طريقة مُثلى لاختبار ما يعتمل في دواخل الناخب من أفكار وتعبيرات وميولات سياسية.

في الغرب، يعتبر استطلاع الرأي جزءا لا يتجزأ من الممارسة الصحافية كلها، بل يكاد يكون بمثابة جنس صحافي لابد منه لمعرفة اتجاهات الرأي العام، بل صار ممارسة أساسية تسبق قرارات مؤسسات الدولة ومبادرات المجتمع المدني، إلخ.

في المغرب، اختصرت الدولة- من خلال وزارة الداخلية- المسلك الأقصر، وهو المنع، لتكفي الصحافة شر الحفر والنبش في عقول الناخبين، رغم أنها تعي مسبقا أننا لا نملك ما يكفي من العُدَّة العلمية والمنهجية لإجراء استطلاعات دقيقة، كما في البلدان الغربية. وقد افتقد قرار المنع إلى مبرر مقنع… لا الصحافة أخطأت في قياس الرأي العام- كما حصل في أمريكا-، ولا المجتمع أو الساسة طالبوا بحذف أي شكل من أشكال الاستطلاع.

والمنع هنا لا يعني سوى شيء واحد، هو أن الدولة تخشى أن تأتي استطلاعات الرأي عكس تطلعاتها وتحركاتها وأهدافها. بعبارة أخرى، لا تريد الدولة أن تلزم نفسها باتجاه مجتمعي غالب، أو برغبة شعبية عارمة. لا تريد الدولة أن يسود هذا التقليد، لأنه يكشف ميولات المجتمع، ليس بخصوص الانتخابات فحسب، بل، كذلك، فيما يتعلق برغبات المواطنين في الأمن والصحة والتعليم والعيش الكريم، إلخ. هكذا، فالمنع هو منع لقناة/ أداة تعكس مطالب المجتمع بشكل من الأشكال.

واليوم، بدل أن نبحث عن صيغ تعديل تقنيات إجراء الاستطلاع، بتنا ملزمين بالمطالبة باستئناف ممارسته، على علاّته الكثيرة، ليس في المجال الإعلامي فحسب، بل كذلك في الحقول المعرفية المختلفة التي تمارس داخل الجامعات المغربية. والشرط الأساس طبعا هو احترام حرية التعبير والإعلام، بعيدا عن أي توجيهات أو إغراءات مباشرة أو غير مباشرة، وكذا عن مصالح السياسة وصراعاتها.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.