منذ زمن بعيد، لم يجمع المغاربة بين عشق متابعة كرة القدم، وشوق معرفة مآل حال السياسيين والساسة ببلادهم. يوم أمس الاثنين، كانوا على موعد مع مقابلتين، واحدة ميدانها قبة البرلمان، بين فريق هزم بلغة صناديق الاقتراع، وآخر يبدو أنه لم يدر جيداً معركة التفاوض لإخراج الحكومة من عنق الزجاجة. أما الثانية، فكانت بعيدة عن المغرب بأميال، طرفها فريق ألفنا معه الهزائم، وعزاؤنا الوحيد مجد لا يوجد في خزائن الجامعة، بل وهم فقط نُسكن به في كل مناسبة جراح الإخفاقات.
بعد نتائج المقابلتين، يستحق يوم الاثنين 16 يناير 2016، لقب « يوم الهزائم ».
حين اخترت المشاركة لأول مرة في الانتخابات التشريعية، ومنح الصوت لصالح فيديرالية اليسار الديمقراطي، وما ترتب عنه من حمل ذاك المداد « اللعين »، الذي لا يذهب بسهولة رغم تجريب جميع وسائل التنظيف، قلت إن المرحلة تتطلب ذلك. قلت لم يعد من الممكن الاستكانة إلى « اللاموقف » واختيار المقاطعة لأجل المقاطعة فقط. حينها تساءلت كذلك: « هل من يقاطعون الانتخابات يمارسون حقهم عن وعي واقتناع بمشروع المقاطعين سياسيا؟ أم أن الأمر لا يتجاوز حد اللامبالاة بالحياة السياسية وافرازاتها؟ »
لم أندم على المشاركة، ونفس الشروط مستمرة لإعادة الفعل لصالح من نقتنع بمشروعهم، ونحن ننزع عنا رداء هذه المهنة.
لكن وأنت تتابع جلسة اختيار الحبيب لمالكي، رئيساً للنواب، وما رافقها من كواليس، تبدأ في البحث للمقاطعين عن ألف سبب وواحد زيادة، يوفر عنهم عناء الانتقال إلى مكاتب التصويت مرة كل خمس سنوات، لاختيار نواب الأمة، واعطاء ما تبقى من قيمة للمشهد السياسي، بإفراز أغلبية برلمانية، ومنها حكومية، تتناسبان مع حجم كل حزب وعدد العلامات التي زينت رمزه.
تشرع في تقليب المواقف يميناً وشملاً، مع استحضار ردود فعل « الرفاق »، حين تقول « إن الموقف لا يعني بالضرورة دعم بنكيران وسياساته، بل يهم مساراً فتياً يجب أن تدفع فيه الحاكمين للاقتناع بخيارات ديمقراطية، وإن كانت اليوم في حدودها الدنيا ». لكن يأتيك الجواب منهم، مفادهم « من نحن وماذا نريد؟ ! » مع قليل من ملح « سوف ننتظر الثورة ».
انتهت مقابلة البرلمان بهزيمة الجميع. أحد الأصدقاء البرلمانيين نقل لي يوم أمس، كيف أن وجوه الجميع كانت شاحبة، لا فرح يعلو ملامح من صوتوا بالأبيض، ولا من اختاروا حمل لمالكي إلى كرسي رئاسة البرلمان.
ثم انطلقت مقابلة ثانية، وتغيرت وجهة المغاربة نحو الغابون الشقيقة. هنا، واجه المنتخب المغربي فريقاً لم يحصل لاعبوه على فلس واحد منذ سنوات، وبعد اطاحتهم بأسود الأطلس التي « انقرضت منذ زمان »، وثق لاعبوه شريط فيديو يعلنون فيه مقاطعة التدريبات، والتهديد بمقاطعة المقابلة القادمة.
أمام فريق منهك بالمشاكل المادية، رفاق المهدي بن عطية، جاؤوا على أجنحة طائرة ضمنت لهم كل شروط الراحة، بعدما قضوا أياماً ملاحاً بين أحضان الإمارات العربية المتحدة، داخل أفخم الفنادق، مع مصروف جيب يفوق بكثير راتب الموظفين الصغار، وإمكانيات تصنع من العدم كتيبة قادرة على الدفاع عن شرف حمل القميص. لكن، مرة أخرى، كانت النتيجة صفر، جعلت المغرب آخر مجموعته، في انتظار اللجوء كما كل مرة إلى الآلة الحاسبة، وانتظار سقوط الخصوم للتأهل.
أوجه التشابه بين مقابلة البرلمان ومقابلة كأس أمم أفريقيا بسيطة. الأولى، وفرت لها نتائج 7 أكتوبر كل شروط الفوز باللحظة التاريخية، والتسويق للداخل والخارج أن ما يصفونه بـ »مغرب الاستثناء » ممكن. أما الثانية، فبدورها سخرت وتسخر لها الأموال والتعويضات والتشجيع مع كثير من الأمل، قصد تجاوز الدور الأول الذي أصبح المطلب الوحيد منذ سنوات.
للأسف، وإن اختلفت القناعات ودرجة عشق الكرة، لا الأولى خرج منها المغرب منتصراً، ولا الثانية سجل فيها البلد أن لتاريخ أمجاد كرته نصيب من الواقع. ويشاء الاثنين 16 يناير 2017 أمام كل هذا، أن يعلن نفسه يوماً للهزائم.