صوت "الأخطبوط"

18/01/2017 - 12:54
صوت "الأخطبوط"

أخرجت الانقلابات الناعمة والخشنة ومعارك الاستنزاف ومساعي التقسيم والاستقطاب وغيرها من أساليب إسقاط الإرهاصات الديمقراطية، التي أفرزتها المحطات الانتخابية المنظمة في أعقاب الانتفاضات العربية لسنة 2011، (أخرجت) لدائرة الضوء حقيقة سياسية عميقة: تولي السلطة في البلاد العربية يتطلّب الحصول على صوتين لا يقل أحدهما قيمة عن الآخر: صوت الشعب وصوت الأخطبوط الحاكم، وفي حالات التعارض أو الاصطدام، وما أكثرها في بلاد العرب، يعلو صوت الأخطبوط.

يضم الأخطبوط نفرا غفيرا من الأشخاص الذين يستطيعون، باتحادهم ضد من أفرزته صناديق الاقتراع، أن يسقطوه، بـ »الاستحمار الإعلامي »، بـ »القالب الانتخابي »، بافتعال الأزمات التموينية، بتفجير الكنائس، بإذكاء الصراع الإيديولوجي، باسم محاربة الإرهاب، أو إن لزم الأمر بالدبابات والرصاص الحي. أما عواقب عمليات « الكوموندو » السياسي هاته، فهذا آخر هم يؤرق القوم. لأن الشعب يخاف الرصاص ويبحث عن الخبز. و »نحن لدينا الرصاص والخبز ». أما الكلام عن الجيل الجديد من الاحتجاجات وكسر جدار الخوف والصدور العارية ومخاطر الكساد الاقتصادي والاحتقان الاجتماعي والتفكك، وكل تلك التحليلات التي تحذر من كوارث السلطوية العربية المتفاقمة، فـ »أيّ كلام »…

في مصر، أسقط صوت العسكر « الانتخابي » حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين دمويا، بعد تحالفه مع رجال دين ورموز يسارية و »ليبرالية » وقومية كانت تحركها رغبة شديدة في الانتقام من الإخوان بأي ثمن ولو تطلب الأمر غض الطرف عن مجزرة « رابعة ». واليوم، تتقاسم بعض تلك الوجوه الزنازين الباردة والمنافي البعيدة مع الإخوان، فيما البلاد تنزف وتنهار…

حركة النهضة في تونس وحزب العدالة والتنمية في المغرب تنبها مبكرا لأهمية التوافق مع النادي الحاكم وأذرعه المتشعبة في أوج تلك المرحلة العاصفة. للاستمرار في السلطة، الصناديق لا تكفي. لا بد أن يقبل النادي الحاكم بانضمام لاعب جديد إلى صفوف الفريق. قد تدفعه إلى ذلك الرغبة في الاستجابة لمطالب جماهير « اللعبة »، ريثما يهدأ حماسها وإلى حين تسمح الظروف بـ »دحرجة » اللاعب الجديد. ولا يملك اللاعب الجديد فرض نفسه بالقوة على النادي، لأنه يعلم أن هذا الأخير لا يعدم الأساليب للإطاحة به، من باقة الأساليب المذكورة أعلاه، والتي قد تنتهي في أحسن الحالات بتركه معزولا وسط الملعب، وفي أسوئها بطرده بالقوة.

لذا، ولتجنب الضمور والعزل، وضمن قراءة شديدة الوضوح للوضع السياسي العربي والمحلي، قررت حركة النهضة الدخول في ائتلافات واسعة والقبول بتسويات قاسية وتنازلات. وقريبا من توجه النهضة، حاول حزب العدالة والتنمية حل ازدواجية الصوت الانتخابي في العالم العربي بتقديمه مفهوم « التعاون ». هذا المفهوم يعني، في تصور الحزب، تجنب الصراع مع الملكية أساسا، وإيثار التوافق والتفاهم وتقريب الرؤى والمشترك معها، ومع باقي الأطراف المؤثرة في بنية الحكم في مسعى الحزب إلى « الإصلاح ».

أما خارج أسوار الحزب التنظيرية، فمفهوم « التعاون » يتمدد ويتمطط ويتسع بما يكفي لتسبح في فلكه كائنات الدولة العميقة التي تعيق أي « مجهود إصلاحي »، والتي ظل بنكيران يتبرم منها طيلة خمس سنوات، وقدمها للرأي العام في صورة تماسيح وعفاريت وألغاز شعبية. أضف إلى ذلك، أن مفهوم « التعاون » الذي يقدمه الحزب، يبقى طرحا أحادي الجانب، على الأقل لن نتصور أن أصحاب الريع والامتيازات ورعاة الفساد يتقاسمونه مع الحزب، ثم كل يلزمه اجتهاده!

هل لازال من يريد حكم تونس، بعد ست سنوات من ثورة الياسمين، في حاجة إلى صوت « الأخطبوط »؟ تجربة حركة النهضة القصيرة والمتعثرة تقول « نعم »، تجربة « نداء تونس » الحاكم حاليا تقول « لا »، مع ضرورة استحضار الفارق في تركيبة وتوجه وتاريخ الحزبين. ربما يتضح الأمر بشكل أكبر في انتخابات لاحقة.

أما في حالة المملكة السعيدة، وما يجري من أزمة حكومية تقترب من شهرها الرابع بسبب تلك التموقعات العبثية في المظهر، المقصودة في الجوهر، والتي توجت (أول أمس الاثنين) بإمساك الاتحاد الاشتراكي بزمام مجلس النواب، فدعونا نقول، تجنبا لأي حكم مسبق: « إن هناك فقط حالة من حالات التعارض والاصطدام! »

شارك المقال