الشتاء ووقائعه

19 يناير 2017 - 12:49

تعيش أمريكا الشمالية وأوروبا وجزء من آسيا شتاءً قاسيا. إذ ينبغي أن يذكرنا هذا الأمر بأنه إذا كان الجفاف هو ما نخشاه أكثر، فإن الاحتباس المناخي لا يعني نهاية الشتاء، وإنما تفاقم الفوارق الموسمية للطقس، حيث سيتوجب علينا أن نتعايش مع مزيد من البرد ومزيد من الحرارة. كما سيتوجب علينا، على العموم، أن نعيش بمزيد من الوسائل لفعل الخير ومزيد من الطرق لارتكاب الشر.

ومن المفترض، أيضا، أن يكشف لنا هذا الأمر أنه إذا كانت عواقب الحرارة المفرطة معروفة بشكل أفضل من عواقب البرودة القاسية (ليس هناك علاوة على ذلك أي كلمة لتحديد قياس الجفاف)، فإن قساوة الشتاء تخبرنا بوضوح بأشياء عمن نحن، وينبغي الإنصات لما تقوله.

من جهة، يذكرنا هذا الأمر أن البرد يقتل عددا كبيرا من الناس: المشردون والأشخاص الضعفاء وضحايا حوادث السير.

ومن جهة ثانية، يكشف لنا أن بعض البلدان إذا لم تستعد لهذه المناخات الجديدة، فإنها ستعيش اختلالات جمة، كما هو الحال اليوم، مثلا، بالنسبة إلى تركيا. ومن ينسون ذلك سيدركون بشكل أفضل أهمية توفر الخدمات العمومية القائمة، مثل وسائل الدفاع والصيانة الموضوعة رهن إشارة جميع الظروف، وحتى تلك التي تنتج بشكل استثنائي. بل من المفروض أن يشكل عاملا من العوامل الأساسية لجودة مجتمع ما، لأنه يسمح بمعرفة ما إذا كان مستعدا للتعامل بطريقة ناجعة مع مخاطر محتملة.

هنا، يبدو الحكم الذي تنطق به الوقائع، في حالة البرودة الحادة، قاسية لا ترحم. إذ تتوفر مجتمعاتنا المتقدمة على جميع الوسائل الضرورية للحفاظ على سلامة بنياتنا التحتية المادية، وحتى تمضي الطبقات المتوسطة والعليا فصل الشتاء بشكل أفضل، حيث ينبغي أن تشتغل المحطات الكهربائية، وتحظى الشقق والمكاتب بالتدفئة، وتُزال العوائق من الطرقات، وتسير السيارات، وتقلع الطائرات، وتنطلق القطارات، وتتوفر أقسام المستعجلات بالمستشفيات الرئيسة على الأدوات التقنية الكافية، وتتم حملات التلقيح في مواعيدها.

خلافا لذلك، لا تقدم مجتمعاتنا إلا النزر القليل للضعفاء، ولا شيء تقريبا للضعفاء جدا. فهي لا تقدم إلا اليسير للأشخاص المسنين في دور التقاعد، عندما تنساهم عائلاتهم، وبالكاد تمنح شيئا ما للمشردين المتروكين في الشارع على نحو مخجل.

كيف نسمح بترك تلميذة في الطور الثانوي تنام في الشارع؟ وبعجز امرأة ورضيعها عن إيجاد مأوى؟ وباضطرار رجل بسبب السن إلى أن يتغطى بالكرتون؟ وبترك أشخاص، سواء أكانوا فرنسيين أو أجانب، في وضعية قانونية أو غير قانونية، أمام مصيرهم المجهول؟

كيف نسمح لأنفسنا بألا نفكر في مساعدة هؤلاء الناس- وإن كنا نأويهم أحيانا بفضل أعمال تطوعية رائعة- على ألا يمدوا أياديهم وألا يعتمدوا على الأعمال الخيرية، على أن نمدهم بجسر عبور؛ أي بتكوين حقيقي وتوجيه متين ومهنة ووسائل تمكن من إيجاد عمل أو من خلقه.

تلك هي وظيفة الدولة الأساسية في القرن الحادي والعشرين تجاه المهمشين؛ أي ألا تطمئن إلى مساعدتهم في الحالات المستعجلة، وإنما أن تخلق ظروفا من شأنها أن تجعلهم لا يحتاجون إلى المساعدة، بمعنى أن تعاملهم كراشدين، في النهاية.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.