السلاح السري لباراك أوباما داخل البيت الأبيض

20 يناير 2017 - 19:00

في حوار أجراه في آخر أيام عهدته الرئاسية، تحدث باراك أوباما عن جانب مغاير من حياته السياسية، هو ذاك المتعلق بالقراءة والكتابة. ففي حوار أجراه مع صحيفة نيويورك تايمز، كشف أوباما عن طبيعة الكتب التي كان يهرب إليها من جحيم السياسة، وعن طبيعة القضايا التي كانت تشغل باله ويكتب عنها في أوقات فراغه.

“قوة الكلمات سمحت لي بأن أفهم من أنا”، هذا ما قاله باراك أوباما رئيس الولايات المتحدة الأمريكية المنتهية ولايته في حوار أدلى به لصحيفة “نيويورك تايمز”، حيث توقف عند ما منحته الكتابة والقراءة خلال ولايتيه الرئاسيتين. وقد استشهد أوباما، في خطاب الوداع للشعب الأمريكي الذي ألقاه يوم 10 يناير الجاري، باقتباس مأخوذ من الكتاب الشهير للكاتب الأمريكي الموسوم بـ”لا تطلقوا النار على الطائر الساخر”: “لن تفهموا حقا شخصا ما إلا عندما ستنظرون في أمور وجهة نظره، وعندما ستضعون أنفسكم في موضعه.”

وقد ساعد الأدب أوباما كثيرا طوال الولايتين الرئاسيتين على رأس أقوى دولة في العالم، بل كان بمثابة عزاء له في بعض الأحيان. إذ شعر بالعزلة في هذا العالم الفوضوي في مرات كثيرة. لكن كتابات أبراهام لينكولن ومارتن لوثر كينغ وفرانكلين روزفلت ووينستن تشرتشل وغيرهم من وجوه السياسة البارزين جعلته يدرك أهمية تخيف حدة هذه العزلة، لأنهم عاشوها هم أيضا. وهذا ما أفصح عنه في الحوار الذي أدلى لـ”ميشيكو كاكوتاني”، الناقد الأدبي لجريدة “نيويورك تايمز”. بل كشف باراك أوباما عما تعلمه من الكتابة والقراءة خلال ولايتيه الرئاسيتين داخل البيت الأبيض.

لقد سمحت له الكتب بأن يهرب من جحيم السياسة. إذ يعشق أفلام التشويق والإثارة وروايات الخيال العلمي، حيث يستشهد بفيلم “الفتاة المختفية” (الذي تُرجم إلى الفرنسية تحت عنوان: “المظاهر”). ففي هذا الفيلم، يروي “جيليان فلين” قصة آمي وزوجها نيك اللذين يعيشان زواجا مثاليا… لكن في يوم ما تختفي آمي دون أن تترك أي أثر. فيصبح زوجها نيك المتهم الأول. كما تظهر الثلاثية التي كتبها الكاتب الصيني “ليو تشيكسان” تحت عنوان “ثلاث مشكلات جسدية” من بين الكتب المفضلة لدى أوباما. إذ تركز هذه الثلاثية على احتلال كائنات فضائية الكرة الأرضية، وعلى طريقة تعامل الحكومات والعلماء مع هذا التهديد.

يؤكد باراك أوباما قائلا: “كلما كانت هناك أحداث تتوالى بسرعة ومعلومات كثيرة تنقل على الدوام، كان هناك أمران يكتسيان قيمة لا تقدر بالنسبة إليّ وهما: إمكانية التأني (…) لكن أيضا إمكانية أن تضع نفسك في مكان شخص آخر”. وهكذا علمته القراءة والكتابة أن يرسم المسافة الضرورية، وأن يكتسب القوة والعزيمة لتغيير مجرى الأشياء. وكلما تخيل أشخاص يعيشون فترات صعبة، تخطر على باله رواية “أنشودة سليمان” للكاتبة توني موريسون.

لا يعود عشقه للقراءة إلى الأمس القريب، بل كان أوباما يقرأ أيام طفولته بنهم كبير. يقول: “كنت أعشق القراءة، لأنني كنت أسافر كثيرا (…) فتملك هذه العوالم المتحركة، التي هي عوالمي التي أنتسب إليها. كان أمرا مثيرا بالنسبة إليّ”. وفي الثانوية، كان لا يتخلى عن الكتب إلا من أجل كرة السلة وتبادل الابتسامات مع الفتيات. وفي سنة 1981، التحق باراك أوباما بجامعة كولومبيا بنيويورك. في هذه المرحلة، كان يوصف بالفتى “الحاد” و”الغامض” و”العابس”، حيث كانت القصص على طريقة جاك كرواك تؤثر في شباب متعطش إلى المغامرة، بينما كان هو لا يهتم بها، بل كان يفضل قراءة التي تحكي قصصا مأساوية وتدفع القارئ إلى التأمل والتفكير.

وعلى سبيل المثال، أعجب بأعمال شكسبير. وقد أنقدته الكتب من الفراغ الروحي، حيث إن سلطة الكلمات، كما يقول، “سمحت لي بأن أفهم من أنا، وما أفكر فيه وأعتقد به، وما هو أهم بالنسبة إليّ (…) حتى أكون قادرا في النهاية على تأويل الأحداث المضطربة التي تجري حولي في كل لحظة”.

كما شرع باراك أوباما يكتب قبل أن يصبح الرئيس الأمريكي الرابع والأربعين. كان عمله الأول عبارة عن سيرة ذاتية عنوانها “أحلام من أبي: قصة عرق وإرث”، نشرت سنة 1995، لكنها لم توزع بفرنسا إلا في سنة 2008. إذ كان هذا الكتاب بمثابة “أداة لإعادة بناء ذاته”. سنة بعد ذلك، دخل باراك أوباما عالم السياسة، حيث انتخب عضوا في مجلس الشيوخ عن ولاية إلينوي. فتزاوج عشقه للكتابة حينها مع اهتمامه بالسياسة. إذ كتب سنة 2010 كتابا موجها للأطفال عنوانه “عنكما أغني: رسالة إلى ابنتيّ”.

وغالبا ما يلجأ إلى هذا الاقتباس المأخوذ من رواية “منعطف النهر” للكاتب نايبول الحائز على جائزة نوبل: “العالم هو هو، والأشخاص الذين لا يمثلون شيئا، ولا يسمحون لأنفسهم بأن يصبحوا شيئا، لا مكان لهم”. وفي يومه هذا، 20 يناير، سيترك باراك أوباما مكانه لخليفته دونالد ترامب. هكذا، سيكرس نفسه كلية لمذكراته، بالتركيز على المذكرة التي لم تفارقه طوال ولايتيه الرئاسيتين.

عن “لوفيغارو”

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.