أعداء التاريخ.. أعداء للمستقبل

24 يناير 2017 - 17:05

يقال إن شعباً بلا تاريخ هو بحكم قوانين الأخير بلا مستقبل. هذا الواقع ينطبق تماماً على ما يعرفه مغربنا. خلال سنوات العمل بين أحضان صاحبة الجلالة، قادتني الظروف لمناطق اشتغلت فيها على ذاكرة أماكن، لو وضعت في ميزان التقييم لن تعادلها الأطنان من الذهب. وإن وضعت في مسار الاستثمار، لكانت دجاجة تبيض المعدن الأصفر دون كلل ولا ملل. لكن حاضر ما زرته بشع، بل لا شيء يدل على أنه مر من هناك بشر صنعوا التاريخ، وحجر يحتفظ لهم بقليل من العرفان لقاء صنيعهم.

قرأت أخيراً، أن أسوار السعديين ببعض مناطق الجنوب تطمر بفعل التساقطات المطرية، وما رمم منها، استعانت فيه المقاولة بالإسمنت ! وكأن المقاول اختلطت عليه مواقع المغرب “الأثرية” بشقق السكن الاقتصادي التي يكدس المغاربة داخلها. كما تابعت، كيف أن مسؤولاً بوزارة الثقافة، أطلق صرخة يحذر فيها من قرب انهيار عدد من أسوار مدينة مكناس التاريخية، استغاثة لم أسمع إلى اليوم صداها لدى من يملكون مفاتيح الخزائن والموارد البشرية لإنقاذ ما يمكن انقاذه.

قبل قرابة العام ونصفه، حللت بزاوية سيدي حمزة نواحي إقليم ميدلت، بين أحضناه تشتم رائحة أناس مروا من هناك، وتركوا خلفهم إرثاً صارع الأجانب لسرقته، لكن مقاومة أهله حالت دون ذلك. في زاوية بعيدة، عبر مسالك ضيقة، ومسارات لا يمكن الدخول أو الخروج منها دون دليل، تختبئ مكتبة “العياشي”. فضاء صغير، رفوف خشبية نالت منها الرطوبة، وأخرى حديدية تقتل جمالية الكتب التاريخية المصفوفة هنا. بل أصبح حال هذه الأخيرة سجينةً غريبةً دون صلة رحم من الراغبين في السفر من خلالها إلى حقبة تجميعها وخط بعضها هناك.

قال لي حارس المكتبة التاريخية، التي يبلغ عمرها أكثر من أربعة قرون، وتضم كتباً عمرت لآلاف السنين، تكتنز الطب والفلك وعلوم الشريعة والرياضات والكيماء والفيزياء… (قال) إن الدراهم التي يجود بها الزائرون، وحدها تمنع عنه السؤال أو تسول بدرجة أدق لكي يستمر في العيش، خاصة إن توالت سنوات الجفاف على المنطقة.

سألت عن مصير ما هو كائن هنا. جاء الجواب صادماً. “وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية شيدت بناية اسمنتية ستنقل إليها كل هذه الكتب قريباً”. وماذا عن المكتبة الأم؟ “ستترك لحالها، ليلتهم النسيان أركانها”.

مشهد مشابه وإن كان أكثر وقعاً بسبب ارتباطه بأرواح مغاربة قدموا الغالي والنفيس لأجل استقلال الوطن.

“بئر الوطن”، وسط جبال الأطلس المتوسط، تحديداً نواحي مدينة قصيبة موحى وسعيد.

هناك، كان مكان اصطياف المقيمين العامين للاستعمار الفرنسي. بعد نحو 3 كيلومترات من مركز تاغبالوت نوحليمة، وبعد اختراق الأشجار الباسقة، تجد بناية تابعة لوزارة الشباب والرياضة، شيد فوقها مخيم للأطفال والشباب. لا شيء يوحي هنا أن داخل هذا الفضاء، يوجد بئر حفر باسم الوطن ولأجلها، خرج منه العشرات فوق النعوش، بعد حصص تعذيب طويلة، وظف فيها المستعمر حينها الملح والجلد، ثم رمي المقاومين وسط حفرة سارت بئراً بسواعدهم وأظافرهم.

لا شاهد هنا يحكي بطولات رجالات ونساء الوطن. لا لافتة تخبرك أن هذا البئر لم يحفر لأجل سقي البشر والدواب، بل كانت الغاية منه التنكيل بمن رفضوا الاستعمار وحاربوا لطرده.

بعيداً عن “بئر الوطن”، نحو ضواحي مدينة مراكش، يتكرر مشهد التهميش. زرت المنطقة أخيراً قصد إنجاز روبرتاج لفائدة منبر صحافي أجنبي، وكنت زرتها قبل ذلك عام 2013. وأنا أشد الرحال نحو “أغمات” أو مراكش الأولى كما يصفها العارفون بتاريخ المرابطين في المغرب، قلت “أشاء أن تتغير الأحوال قليلاً. أشاء أن أجد بعض المآثر رممت ورفع عنها غبار النسيان”. لكن الجواب يأتيك كما تعودت بعكس الأمنيات. تحتضن “أغمات” فضاءات أثرية لها توأمها بعدد من المدن الإسبانية، في الجارة الشمالية للمغرب، توظف معالم ما بعد الأندلس للدفع بقطاع السياحة وتنمية مدنها، وتوظف هنا مسكناً للكلاب الضالة، وملجأ للباحثين عن احتساء كأس في الخفاء، بل بعض جنبات فضاءاتها تحولت إلى مطرح للنفايات. مرة أخرى لن تجد لافتة تخبرك أنك فوق أرض قيل إن لها نصيبها من التاريخ، بل حتى ضريح آخر ملوك الأندلس المدفونين هنا، لا يمكن الوصول إليه دون سؤال المارة عنه، لأن الملك الأندلسي الراحل المعتمد بن عباد يرقد هنا بلا عنوان يدل على مكانه.

يأخذنا الحديث عن أغمات إلى الحديث عن بانيها ومشيد مراكش يوسف بن تاشفين، والأكيد أن حال ضريحه كتب عنه وقيل الشيء الكثير، بل يمكن أن تشم رائحة البول المنبعثة من جنباته على بعد أمتار منه.

وفي مراكش كذلك “منارتها” بناية بلا روح. ساحة “جامعة الفنا” دون أهازيج بلا طعم. ومآثر المرابطين تئن مختبئة لوحدها، تموت ببطء.

ما ذكر هنا غيض من فيض فقط. يدفعك لطرح السؤال، “هل هذا التهميش مقصود أم جهل أم جزء من مناخ عام يفرز ما نراه يومياً من بؤس حياة المغاربة؟” لكن الجواب الوحيد الأكيد عن كل هذا، هو: أن أعداء التاريخ.. هم أعداء للمستقبل.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي