حين فاز الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية لسنة 2002، كان ينتظر تعيين الوزير الأول من داخله، في شخص كاتبه الأول حينها الأستاذ عبدالرحمن اليوسفي. كان الحزب يستند في ذلك على « أفق انتظار » يرجو حصوله، « عُرف » يأمل ترسيخه، « ممارسة ديمقراطية » يتوقع أن تزهر وتمد جذورها عميقا في تربة المملكة، أو حتى رد الجميل لقبوله المشاركة في الحكم في مرحلة حساسة.
« إن المنهجية الديمقراطية كانت تقتضي أن يعين جلالة الملك الوزير الأول من بين أعضاء (حزب الاتحاد الاشتراكي)، وإن كان النص الحرفي للدستور يخول له حق تعيين الوزير الأول (فقط – دون تقييد لهذه الصلاحية)، غير أن هذا لا يمنع- تماشيا مع روح الدستور، والممارسة (السياسية) التي دشنها التناوب – من أن تعود الوزارة الأولى للحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد ». هذه فقرة من محاضرة الأستاذ اليوسفي التي ألقاها سنة 2003 ببروكسيل، وقدم خلالها تقييمه لتجربة التناوب التوافقي التي تولى حزبه خلالها السلطة الحكومية باتفاق مع القصر ما بين 1998 و2002.
أمر واحد لم يكن يستند إليه حزب « الوردة » إذن، في حساباته وهو النص الصريح للقانون، لأن المرحلة حينها كانت تقتضي تغليب الثقة والنظر للمستقبل بعين متفائلة. لم يكن هناك ما يُلزم الملك في دستور 1996 بتعيين الوزير الأول من الحزب المتصدر. وعليه، فتقنياً، الخروج عما سمّاه الاتحاد المنهجية الديمقراطية يبقى واردا. ويعد في أقصى الحالات خروجا عن عرف أو رجاء مرسل أو سقف توقعات، لا عن نص صريح ومضبوط اللفظ والعبارة لو تم الخروج عنه، لعد بشكل مباشر « خرقا » لمضمون النص قبل روحه.
تجربة حزب العدالة والتنمية الذي اصطدم بسقف توقعات مختلف بعد نجاحه في تصدر الانتخابات التشريعية لأكتوبر من العام الماضي رغم خمس سنوات قضاها في كراسي السلطة، تميط اللثام عن توظيف أذكى لما تسمح به السياسة في جانبها النصي التقني الصرف. دستور 2011 ينص فعلا على تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات. والملك التزم بنص الدستور ولم يخرج عن المنهجية الديمقراطية المتضمنة في المتن الدستوري بمناسبة الانتخابات المذكورة.
لكن القوانين والضوابط المنظمة لسير العملية الانتخابية برمتها والمرتبطة بالعتبة الانتخابية وتقطيع التراب إلى دوائر انتخابية ونظام الاقتراع عموما، لا تساعد في ترجمة هذا المعطى الدستوري الذي ولد بشكل « مباغث » على الأرض. بل على العكس من ذلك، تنعش العبث السياسي وتزهر في ظلها التحالفات الهجينة وتحبط احتمالات الحد الأدنى من عقلنة البنية الحكومية.
العتبة الانتخابية المحددة في 3 في المائة تتيح لأكبر عدد من الأحزاب الحصول على حصة من المقاعد البرلمانية وتسجيل « المشاركة »، باعتبار أن « المهم هو المشاركة ». ولا يتصور عاقل أن يتم إجبار حزب أو مجموعة أحزاب على التحالف مع بنكيران بالقوة. كل حزب سيد نفسه في الأخير، وحر في اختياراته. قد تعترض قارئي اليقظ على هذا الكلام، وتقول إن الأمر مقصود. وليكن، وماذا بعد؟ النصوص المؤطرة للحياة السياسية تسمح بذلك. الأحزاب المفلسة /سيدة قرارها تسمح بذلك. ثم المتن السياسي المكتوب برمته مليء بالفجوات والأبواب التي يمكن فتحها أو إغلاقها أو تركها مواربة حسب تقلبات مزاج السلطة من الواقف على الأعتاب.
السلطة ستحتاج دائما إلى أحزاب وجماعات لها صدى شعبي في مراحل الشدة والعسر، وفي الغالب ستعود لمحاربتها وتحجيم نفوذها بعد ذلك، في إطار خطتها الأبدية للتصدي « للهيمنة ». خلال مراحل الشدة، ستحلق « الروح » الديمقراطية خارج النص واعدة بتجاوز حدوده، وبعد الانفراج، سينزل النص، نزول القدر، من سماء الروح والأوهام.