نحن وترامب

26/01/2017 - 13:02
نحن وترامب

ما هي تداعيات وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض على أوروبا؟ أولا، هذا يعني أن الولايات المتحدة سيكون لها، ولمدة أربع سنوات على الأقل، الرئيس نفسه. وهذا يعني وجود نظرة مستقبلية معينة، تنبثق عنها استراتيجية محددة. ولهذا الرئيس تصور لدور الولايات المتحدة يبدو أقل كونية بكثير، مقارنة من تصور كل أسلافه منذ ثمانين سنة على الأقل.

إن دونالد ترامب « انعزالي » بامتياز، فهو يريد بالخصوص ترك أوروبا تتولى بنفسها مهمة الدفاع عن ذاتها، ويسعى إلى استعادة كل المصانع الأمريكية المستقرة اليوم، بأوروبا أو تلك التي تنوي الاستقرار بها. ولن يأبه كثيرا بمستوى سعر الدولار، وسيتركه يهوي إن كان ذلك سيساهم في جلب الاستثمارات إلى الولايات المتحدة وسيدفع بقية العالم إلى استهلاك المنتجات الأمريكية.

على مستوى آخر، يضع انتخاب ترامب أوروبا في وضع جيوـ سياسي غير مسبوق: للمرة الأولى تجد القارة العجوز ذاتها في مواجهة ثلاثة بلدان كبيرة يتوفر قادتها على الوقت ويستندون إلى استراتيجية واضحة، لا يشكل التحالف مع أوروبا جزءا منها.

فإضافة إلى أمريكا ترامب، تسعى روسيا بوتين، مثل لاعب شطرنج من مستوى عال، إلى استعادة مكانتها كقوة عظمى من خلال استعادة مواقعها القوية والعمل على ضمان أن أوروبا لن تؤذيها لا اقتصاديا ولا عسكريا. أما صين « شي جين بينغ »، فتسعى إلى نسج تحالفات مع العالم بأسره لتأكيد قوتها وضمان تزويدها بالمواد الأولية، وبالتالي إضعاف شبكات التحالفات والمواقف المؤثرة للآخرين بمن فيهم الأوروبيين.

بالنسبة إلى القوى العظمى الثلاث بالعالم، لم تعد أوروبا شريكا، بل فريسة. ولن تذخر هذه القوى جهدا لإضعافها مع التظاهر بالعكس.

لمواجهة شهية هذه القوى، يجد القادة الثلاثة الأهم بأوروبا، أنفسهم مكبلين طيلة 2017 بانتخابات مقررة في كل من فرنسا وألمانيا ورئاسة الاتحاد الأوروبي، هذا فضلا عن كل القوى التي تسعى إلى الابتعاد عن الاتحاد بكل من إيطاليا وهولاندا وأوروبا الوسطى.

إنها بالتالي سنة مواتية بالنسبة إلى القوى الثلاث العظمى للتخلص من منافس محتمل، ولهذا فهي لن تتردد في توحيد قوتها مع أولئك الذين يسعون إلى تفكيك الاتحاد من داخل أوروبا نفسها. إذ في القارة العجوز وحدها يوجد أناس يعتقدون أن الاتحاد الأوروبي لا يمكنه أن يصبح القوة العظمى الأولى بالعالم في القرن الـ21.. في هذه القارة وحدها يريد أناس العودة إلى النمط الإقليمي القائم على الفضاءات المحدودة وإن كانت أمامهم فرصة بناء أمة عظيمة، ديمقراطية وذات سيادة، يكون في حجم منافسيها الأساسيين.

أحببنا أم كرهنا ذلك، ستكون العظمة، أي مستوى العيش الكريم والشغل والديمقراطية والسيادة والحرية، من نصيب الأمم الأكثر سكانا والمتوفرة على مساحات شاسعة، والموارد الطبيعية، والمنافذ البحرية. أما البلدان الصغيرة فلن تفلح في البقاء سوى بفضل لعبة التحالفات الدقيقة والحساسة، مثل اليابان وبريطانيا، أو في وضع تغلب عليه العسكرة والحصار مثل سنغافورة وإسرائيل. وهناك نماذج أخرى عديدة لا يمكن دحضها.

هذا هو رهان 2017 بالنسبة إلى الأوروبيين: التصدي للهجمات المقبلة من الخارج والداخل على حد سواء، وكل منها في خدمة الأخرى دون أن تدري ذلك أو ترغب فيه. ولبلوغ هذه الغاية، يتعين، ودون انتظار 2018، إطلاق مشروع « الدفاع الأوروبي » الكبير. وإذا لم ننهض بهذه المهمة، فإن الأحداث ستضطرنا إلى ذلك، إذّاك يكون الوقت قد فات.

ترجمة مبارك مرابط عن « ليكسبريس »

شارك المقال