كتائب البيجيدي

26 يناير 2017 - 13:05

“الكتائب الإلكترونية لحزب العدالة والتنمية”، هي حصان طروادة الذي يختبئ داخله جيش بنكيران المستعد لاقتحام كل القلاع وخوض كل المعارك من أجله، دون أن يظهر لجنوده المقنعين خلف الحواسيب وجوه. هذا ما يتم تسويقه عن “الكتائب” التي مازال الحزب ينفي أي وجود منظم لها، والتي أصبحت تزعج كل الأطراف على كل الأصعدة بدءًا من بنكيران نفسه، وصولا إلى خصوم الحزب السياسيين والإيديولوجيين، وانتهاءً بالدولة التي قررت أن تترصد الكتائبيين في المنعطف وتقطف رؤوسهم بكل الأسلحة، مثلما حدث مؤخرا مع الشباب السبعة المتابعين على خلفية مقتل السفير الروسي بتركيا بقانون الإرهاب بدل قانون الصحافة. وهو الحدث الذي تعاملت معه الأحزاب السياسية وشبيباتها بتجاهل شبيه بالذي عبر عنه مناحيم بيغين غداة وقوع مجزرة صبرا وشاتيلا، حين قال في إشارة إلى تورط الكتائب اللبنانية الموالية لإسرائيل في دم الفلسطينيين: “غيرُ اليهود قتلوا غيرَ اليهود، فما دخلُ اليهود؟”

حضور شباب منتمٍ إلى حزب العدالة والتنمية وشبيبته، بقوة في الفضاء الأزرق وخلف الحواسيب، هو أمر طبيعي، بل لا يمكن أن نتصور في الوقت الراهن وجود حزب بقوة وامتداد واقعيين، لا يوازيهما حضور افتراضي مماثل. لذلك، فما يجدر ببنكيران وقيادة حزبه فعله، ليس الاكتفاء بنفي وجود كتائب إلكترونية منظمة، بل خلقها مثلما تخلق الإطارات الموازية داخل كل الأحزاب، فإذا كان حزب الاستقلال قد خلق، منذ البدء، منظمته الكشفية وشبيبته المدرسية… فما العيب في أن يؤسس العدالة والتنمية الآن “كتيبة” إلكترونية أو أكثر تحت أي مُسمى. العيب في ترك شباب الحزب خارج المراقبة والتوجيه، محكوما بردود أفعال عاطفية وانفعالية لا حدود لرعونتها، فـ”كل شيء على الشبابِ يهونُ”، كما قال علال الفاسي.

أن يتطرف الشباب وينفعل ويتعاطف.. هو أمر عادي وطبيعي، ما ليس طبيعيا هو أن نجاريهم ونستعملهم، أو ننفي وجودهم بالجملة، أو نعتبر أن ما يقومون به خارج إطارات الحزب التنظيمية والإسمنتية شأن يهمهم وحدهم. إن تاريخ الأحزاب السياسية في المغرب لا ينفصل عن تاريخ انفلات وعنف منظماتها الشبيبية، بدءًا من مجزرة سوق الأربعاء (1956) التي قُتل فيها شباب ينتمون إلى حزب الشورى والاستقلال على يد منتسبين إلى حزب الاستقلال، وصولا إلى معارك الاتحاد الوطني لطلبة المغرب التي كان من أبطالها زعماء سياسيون اليوم، مثل إدريس لشكر الذي يُحكى أنه كان يصول ويجول في أشغال المؤتمر 16 لـ”أوطم” مدججا بسلسلة دراجة، رافعا شعار: “حرب تحرير الجماهير من عملاء الجزائر”، في إشارة إلى الطلبة الجبهويين (الماركسيين).

من ناحية أخرى، فطبيعة حزب العدالة والتنمية كحزب إسلامي تجعله في علاقة فاترة إلى متوترة، مع كل الأشكال التعبيرية الإبداعية التي شكلت قنوات تصريف وتلطيف عنف الشبيبات الحزبية المغربية، اليسارية منها بالأساس. والمتأمل للأنشطة الموازية للتنظيمات الإسلامية، خصوصا الشبيبية، قد يخلص إلى أن موقفها المتبرم من المسرح والسينما والموسيقى والرقص.. يصدر عن ذهنية أخلاقوية طهورية تعتبر أن الفن والتعبير الجسدي هو الحد الفاصل بين إسلامية التنظيم من عدمها، وهذا في حد ذاته موقف وحكم مانوي (خير- شر) لا يخلو من عنف قيمي. لذلك نجد أن التعبيرات الفنية المتاحة داخل منظمة شبيبية مثل شبيبة العدالة والتنمية، كالأناشيد مثلا، لا تخرج عما هو تبشيري وتحريضي وحماسي (دعوي).

إن الفضاء الأزرق الذي تلوذ به “كتائب” الحزب ومناضلوه الإلكترونيون، لا يعدو كونه وسيطا خاليا من أية قيمة عدا قيمة السرعة والاختزال، وبالرغم من أن معاركه افتراضية وعن بعد، إلا أنها تسقط الكثير من الضحايا، أولاهم جنود الكتائب أنفسهم. فهل يكون حدث اعتقال ومتابعة الشباب السبعة، على مأساويته، درسا لجمَ قليلا جموح وعنفوان “الكتائب”؟

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سمير منذ 4 سنوات

الكتائب الحقيقية هي جيوش الصحفيين و المأجورين الذين يهاجمون البيجيدي عن حق و عن باطل و يخلطون الحابل بالنابل مستعملين أبشع الأساليب و أحطها بما في ذلك اختلاق الأكاذيب التي لا يصدقها عاقل..طبعا البيجيدي ليس حزبا مثاليا و البيجيديون ليسوا ملائكة منزلين لكن الكثيرين من المغاربة اليوم أصبحوا يفرقون بين الغث و السمين من الأحزاب فلا حاجة لهم بالكتائب لتتضح لهم الرؤية.

abdellah منذ 4 سنوات

لم تنف ولم تثبث وجود الكتائب الالكترونية بل بررت وجودها الافتراضي وكأنك قصدت الغموض قصدا وجعلت من نفي الحزب لوجود هكذا تنظيم لا يساوي ثمن الحبر الذي كتب به والحقيقة المجردة ان للحزب متعاطفين معه غير المنتسبين له وخاطئ من يلقي الاشاعة ليتركك تلهث وراءه للتكذيب ,

عزيز الدحماني منذ 4 سنوات

من قال و كتب عن مجزرة سوق الأربعاء يعلم على ما أظن كل تفاصيل ما وقع من قتل و تعذيب للكثير من المغاربة في عدد من المدن خصوصا الدار البيضاء على أيدي حزب عريق متسخ بماضي لاينسى و لا يعلم عنه كل المغاربة هل حان الوقت لكتابة ولو القليل عن تلك الفترة أو إعداد برنامج وثائقي

التالي