في وداع الفايز

27 يناير 2017 - 14:45

“هي الأشجارُ تموت واقفة..”. هكذا كانت رحلة عالم الاقتصاد سي “محمد الفايز” في الدنيا.. عاش واقفا، ومات واقفا وشامخا، بعلمِه، وعشقِه للمعرفة، وزهدِه في أمور الدنيا، ودماثةِ خُلقه، وخِفَّة ظله، وإنسانيتِه التي لا حدودَ لها. فقد فارقنا قبل الأوان.. ترك مخطوطاتِه، ومُتون مصادرِه وكتبه مفتوحة، وحتى في ذروة مرضه ظل وفيا للقراءة والكتابة، واستمر متمسكا بأمل الشفاء، باحثا مجتهدا، ومنقبا في بطون المتون، التي غدا عصيا على الكثير منا العودة إليها، أو الاقتراب من مظانها.. إنها مناقب العالم الذي ليس في ملكه سوى حب الكلمة وعشق الكتابة.

سي “محمد الفايز” لمن لا يعرفُه من القراء الكرام، وإن كان أشهر من عَلَم، هو نموذج الباحثين القادمين من مغرب البساطة والكَفاف، فخلق، بصبره واستمراره وجَلَده، يُسراً لا يُقدر بمال، ولا يُقاس بثروة، إنه يُسر الارتقاء في مراتب العلم وتكريم العقل، والإنصات بصدق لنبض مجتمعه وتطلعات أبناء جلده للنماء والأمان. فهكذا، تَفتَّق وعيُه، أسوة برفاق جيله، على طموحات النخبة الوطنية لبناء مغرب جديد، يُترجم شعار الاستقلال واستعادة السيادة الوطنية إلى مشروع مجتمعي مُغاير، موسوم بالحرية والعدالة الاجتماعية.. فكان معينُه المرجعي في هذا المسار قيم مدرسة المشمول برحمته، الاقتصادي القدير “عزيز بلال”، وهي قيم استثمار العلمِ والمعرفة العميقتين للإجابة عن أسئلة المجتمع وتطلعات مواطنيه.. هذه هي أصول انطلاقة رحلة الفقيد سي “محمد الفايز”، وقد بقي وفيا لروحها حتى وفاته.

شاءت الظروف أن كنت أحدَ من رافق الفقيد منذ التحاقنا بكلية الحقوق في العام 1979 ـ 1980، وقد كنا عدداً محدوداً يتجاوز أصابعَ اليدين بقليل. وشاءت الظروف أن جمعتنا القيمُ نفسها، وهي قيمُ جيل الاستقلال والتطلع إلى بناء الدولة الوطنية، فوجدنا أنفسَنا مُقتسِمين جوهرَ ما يجب أن تكون عليه كلية الحقوق، التي كنا بتواضع مؤسسيها الأوائل، فسعينا جميعا، في ظروف غير مواتية، إلى ترسيخ ثقافة العمل التربوي، وقواعد إدارة العمل العلمي وآليات التواصل الإداري مع الكلية والجامعة، وإلى هذه الثلة الصغيرة من الأساتذة، ومنهم الفقيد سي “محمد الفايز”، يعود فضلُ تأسيس اللبنات الأولى لهياكل كلية الحقوق وجامعة القاضي عياض عموما (الشعب، المكاتب النقابية، اللجان العلمية).

لم تكن انشغالات الفقيد وزملائه منحصرةً في هذا الجانب، على أهميته الاستراتيجية وقتئذ، بل كانت تطلعاته أوسعَ وأكبر من هذا، كان عليه أن ينهي أطروحته في الدكتوراه، وأن يرسُم لنفسه طريقاً سالكاً في عالم البحث واكتساب المعرفة، وهنا تتجلى صفات العالم لدى فقيدنا سي “محمد الفايز”.. فقد قضى سنوات عديدة مهووسا بالبحث، والتنقيب، والمتابعة المتأنية، قبل أن يُنهي أطروحَة، في موضوع بالغ الأهمية والعمق، ومع أستاذ مشرف، اعترف له الجميع في وطنه لبنان وخارجه بكفاءته وعمق علمه وتكوينه، إنه المرحوم  البروفيسور “توفيق فهد (1923 ـ 2009)”، أحد أبرز من كتب عن الفلاحة العربية وعلمائها في التاريخ العربي والإسلامي، ومدير معهد الدراسات الشرقية في جامعة “ستراسبورغ” الفرنسية.

كثيرا ما تحدث لي المرحوم سي “محمد الفايز” عن مناقب هذا العالم، المهووس بالتراث، وعاشق التراث النبطي تحديداً، وكثيرا ما عبر لي عن شغفه بعلماء الزراعة العرب والمسلمين القدامى، من قبيل صاحب المخطوطات الشهيرة عن الزراعة النبطية العالِم “ابن وحشية”، وأيضا  “المقريزي”، وإلى حد ما صاحب المقدمة “ابن خلدون”.. كان سي “محمد الفايز” يغوصُ في الجواهر والأعماق، ويتجنب قشور المعرفة، وكثيرا ما كان يستحضر التاريخ لمقاربة الواقع وفهم تعقيداته.. هذه هي سمات العلم والمعرفة الأصيلتين التي ميزت عقل الفقيد، وهي سمات العالم الذي درس في الغرب، واطلع على ثقافته، لكن رجع إلى أصوله، والتصق بمظانها ومتون معارفها.. وأذكر، بتقدير كبير، وفي الآن معا أشعر بحزن عميق، أنني حين زرته نهاية الصيف الماضي في بيته رفقة الزميل رشيد علمي الإدريسي، وهو يواجه المرض بأمل الشفاء، أطلعنا بفرح عظيم على مخطوطة نادرة حول “الفلاحة النبطية”، وكأن لسان حاله يقول سأشتغل على هذا السفر إن كان في العمر بقية.. هذه مرة أخرى سمةُ من سمات العالم.

لقد فتحت عودته إلى التراث الاقتصادي وحفره في جواهر مخطوطاته عينيه على موضوعات متفرعة لا تقل أهمية وجاذبية. فهكذا، اشتغل على موضوع “الحدائق” ومساهمة العرب والمسلمين في العناية بها وهندسة مجالاتها، فترك مؤلفا قيما عن “حدائق مراكش”، نال به تقديرا دوليا، كما اهتم بالماء وطرق الري في مجتمعاتنا القديمة، وكان له دور في إنشاء  “متحف الماء في مراكش” المُدشن مؤخراً، وأولى نصيبا من وقته بالتأليف حول الاختلالات التي طالت تنظيم المجال في مدينة مراكش وأضعفت رونق المدينة.. كان سي “محمد الفايز” لا يطرق باباً إلا ويبدع فيه ويترك الأنظار مشدودة إليه.

تلك شذرات قليلة ذكرتها عن مناقب الفقيد.. يبقى أن يهتم محبوه من زملاء وطلاب ومراكز بحوث، والخيرين من المغاربة، أن يجمعوا ما ترك هذا العالم، ويحافظوا عليه، ويعيدوا نشره حتى لا يطاله النسيان.. وأن يكرموه بهذه الالتفاتة في مماته، هو الذي لم يُكرم، بغير حق، في حياته.. فألف رحمة على روحه.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

mohamed منذ 4 سنوات

نشكركم جزيل الشكر استاذ على شهادتكم هاته عن الفقيد الاستاذ العالم النابغة والمفكر محمد الفايز , المعروف بدماثة خلقه وجديته في اداء واجبه العملي , حقيقة لقد فقد المغرب واحد من رموز العلم, وقد غادر هذه الدنيا دون ان ينال حقه من التكريم فقط لكي يتعرف عليه ابناء وطنه. رحم الله الفقيد وانا لله وانا اليه راجعون

ABDE منذ 4 سنوات

يرحمه الله ،وشكرا لكم على كشف النقاب عن مناقب هذا الأستاذ الذي سمعنا عنه دون ان نراه

التالي