اللعب مع الكبار

30/01/2017 - 12:48

كنا تحدثنا قبل أسبوعين في هذا العمود عن البؤس السياسي الذي تعيشه الطبقة السياسية بالمغرب، فها هو نبيل بنعبدالله يزكي ذلك ناعتا تصريحات إدريس لشكر بالبؤس السياسي. في الواقع أن الذي يتابع تدبير عبدالإله بنكيران لمشاورات تشكيل أغلبية، يرى كيف يدافع لشكر عن « حق » الاتحاد الاشتراكي من الكعكة الحكومية، وفي الوقت نفسه لا يجد حرجا في « قنبلة » رئيس الأغلبية ذاتها التي يحلم بالانضمام إليها وأحد أعضائها، حزب التقدم والاشتراكية. أي منطق سياسي هذا الذي نعيشه وأي « هبل » هذا الذي يطبع حقلا ملغوما بـ »كوكتيل » من الرداءة والتناقض والسكيزوفرينيا وقدرة خارقة على الانبطاح حد الذل. وفي هذا تتنافس كل الأحزاب (ما عدا الحزب الاشتراكي الموحد)، للأسف ضاربة في الصميم النزر القليل من المصداقية التي تبقى لها، والتي تجعل المواطن ينفر منها رغم أنه يدري بانزعاج كبير أن الديمقراطية لا تُبنى إلا بالأحزاب.

لنبتعد قليلا من محيط الرداءة هذا الذي « يغرق » العاصمة منذ أربعة أشهر ولنطر صوب أقصى شرق القارة الإفريقية، وبالضبط أديس أبابا، حيث المغرب مقبل على إحدى معاركه التاريخية باسترجاع مكانته داخل المنظومة الإفريقية. إنه حقل ملغوم ومعركة بحاجة إلى كل القوى الحية بالمغرب، فماذا تفعل الأحزاب المغربية من أجل ذلك؟

من هنا، بأديس أبابا قلب الحدث، لا أثر لوفود حزبية مغربية تنشط في الكواليس وتحرك علاقاتها الموازية لضغط شركائها من أحزاب إفريقية على حكوماتها تجاه دعم المغرب!

الأحزاب المغربية غير موجودة قاريا ولا أحد يعرفها حتى نقول يعترف بها. وحده الاتحاد الاشتراكي طوّر علاقات في إطار الأممية الاشتراكية، حيث يصطدم بلوبي قوي لأعداء المغرب، لكنه بقي حبيسا لمنهج قديم يكتفي بتفادي الكرسي الفارغ ليس إلا. حزب العدالة والتنمية الأول بالمغرب، بحساب صندوق الاقتراع، منطو على نفسه ومنكب فقط، على الانتشار الداخلي ولا يمكن أن يعول عليه إفريقيا، حتى إنه عندما وقع اتفاق شراكة وتعاون، كان ذلك سنة 2006 مع حزب البعث السوري بقيادة بشار الأسد، كما صرح بذلك سعد الدين العثماني! حزب الأصالة والمعاصرة قام بمحاولات محتشمة وزار جنوب إفريقيا في إطار ندوة الجماعات الإفريقية، وجناحه اليساري أعطى اهتماما كبيرا بأمريكا اللاتينية والصين، وهو ما يجعله أحسن من لا شيء. حزب الاستقلال كان قد بدأ عملا جيدا بتحالف مع الحزب الحاكم الموريطاني قبل أن تهدم تصريحات شباط كل ذلك. باقي الأحزاب لا تستطيع حتى التحرك داخليا في غياب قواعد وتضطر أن « تكتري » مناضلين لملء قاعات اللقاءات « الجماهيرية » التي يعقدونها، فما بالك باللعب مع الكبار في حقل إفريقي ملغوم.

في وقت من الأوقات كانت إدارة القضية الوطنية حكرا على القصر الملكي، وكانت الأحزاب السياسية لا تقترب منها بسبب ذلك، وها هي منذ حوالي العشر سنوات، حرة في مبادراتها الرامية إلى خلق دبلوماسية موازية، إلا أنها عاجزة عن بلورة خطة دبلوماسية تجعلها قادرة على اختراق قلاع، قد تعجز عنها حتى الدبلوماسية الرسمية. ومن بين أسباب ذلك، أن الأحزاب الوطنية أنجبت « زعماء » فاقدين في الغالب لشرعية حتى في الداخل، فما بالك بالخارج. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن آخر الزعماء الذي استطاع فقط، باسمه وثقله أن ينتزع تراجع 28 دولة عن اعترافها بالبوليزاريو، كان هو عبدالرحمان اليوسفي، وهو معطى لم تعرف الدولة كيف تستفيد منه، بل أكثر من ذلك ساهمت في صناعة زعماء من ورق عاجزين حتى عن إقناع « قواعدهم »، فما بالك بأحزاب أجنبية. النتيجة هي أننا أصبحنا نتوفر على طبقة سياسية لا تتقن اللعب مع الكبار.

شارك المقال