نظرة الجنس اللطيف في آسيا

30 يناير 2017 - 21:25

ندرة الجنس اللطيف بآسيا التي نتجت عما سمته “ذي إيكونوميست” ب”التطهير الجنسي”، محيلة على قتل الأجنة الإناث في الأرحام، أنتجت واقعا جنسيا وعاطفيا صعبا بالنسبة للذكور، ترى دراسات أنه خطير جدا وقد يؤدي إلى أوضاع اجتماعية غريبة وشاذة.

ترجمة اليوم 24:

قبل سنين، بدا الأمر أشبه بلعنة لا ترتفع. في الصين وشمال الهند كما أجزاء أخرى من آسيا، أعداد متزايدة من الأجنة الإناث كن يتعرضن للإجهاض من طرف أبويهما بعد أن يتم الكشف عن تشكلهن داخل الرحم بواسطة أجهزة الفحص بالأمواج فوق الصوتية. فتيات أخريات كن يمتن في سن مبكرة بسبب الإهمال، ومنهن من كن يتعرضن للقتل.

سنة 2010، نشرت “ذي إيكونوميست” زوج أحذية وردي اللون واعتبرت ما يحدث في عنوان تحقيقها آنذاك “بالتطهير الجنسي”.

ونحن نقيّم الوضع الآن، نعترف أننا كنا متشائمين كثيرا يومها. فقد بات يسمح اليوم لأعداد متزايدة من الفتيات بالعيش.

في الغالب، يحصل التطهير الجنسي في الأوساط التي تضم أسرا صغيرة وتكون الرغبة لإنجاب الذكور داخلها قوية. ففي الأماكن التي ينتظر من النساء فيها أن ينتقلن من بيوت أسرهن إلى بيوت أزواجهن في المستقبل، تبدو تربية فتاة كما لو كانت محض صدقة أو عمل خيري. كثير من الأزواج تجنبوا إنجابهن، إلى درجة أن أحد الإحصاءات الرصينة، قدر عدد الفتيات اللواتي لم يرين النور أبدا ب130 مليون فتاة. الأمر أشبه بإبادة الجنس اللطيف لكل من بريطانيا وفرنسا وإسبانيا مجتمعة عن بكرة أبيه.

لحسن الحظ اليوم أن النداءات المدافعة عن إنجاب الفتيات والنمو الاقتصادي بدأت تعترض مسار هذا الاتجاه بدول القارة. والآن بعدما صارت حظوظ النساء في نيل وظائف وجني المال أكبر، بدأ الآباء ينظرون لإنجاب الفتيات بتقدير أعلى.كما أن الهوس بإنجاب الذكور تقلص بعدما بدأ الآباء يواجهون صعوبات كبيرة في تزويج أبنائهم (بما أن العرض من العرائس تقلص). كل هذا جعل التفاوت بين الجنسين في معدلات الولادة يتقلص في مجموعة من الدولة ضمنها الصين والهند. حتى في كوريا الجنوبية، التي كانت تسجل معدلا غير طبيعيا يصل إلى 115 ذكر لكل 100 أنثى قبل عقدين، لم يعد هناك ما يفيد باستمرار ممارسة “اختيار جنس المولود”، بل هناك من الآباء من بات يفضل الفتيات.

لا شك أن هذا التطور أمر رائع، إلا أنه سيكون أروع إن استمرت الأمور على هذا المنوال. فوقف الحرب على الأجنة الإناث لن يقلص فقط عدد عمليات الإجهاض، التي تثير الجدل في حد ذاتها ويمكن أن تنتج عنها مضاعفات صحية، خاصة في البلدان الفقيرة، ولكن أيضا سيعلي من شأن الفتيات والنساء عموما داخل مجتمعاتهن، وإن كان “التطهير الجنسي” سيترك ندوبا سيئا في تاريخ البلدان التي مارسته. لكن إذا كانت الأزمة اليوم بآسيا تتصل بندرة الفتيات، فالأزمة غدا ستتصل بوفرة الفتيان.

إذ في وقت تصل فيه فيالق الشباب، فيلقا تلو الآخر، لسن الزواج، فقط لتصطدم بندرة العرض من الفتيات، سيعاني عدد كبير منهم الأمرّين لإيجاد شريكات العمر. قد يفكر بعضهم في استيراد زوجات أجنبيات، متسببين بذلك في خلخلة نسبة الإناث إلى الذكور في بلدان أخرى، أكثر فقرا. أما الأغلبية فسيظلون عزابا، فيما ستجني بعض النسوة ثمار هذه الوضعية التي ترفع الطلب عليهن.

غير أن عواقب وضع مشابه بالغة الخطورة للمجتمع بأسره. لأن وجود رجال في قمة الشباب، متعطشين للجنس، وعزّاب، أمر خطير فعلا. العلاقات المستقرة تساهم في تهدئة هذه الفئة. بعض الدراسات (وإن لم تكن كلها) ترى أن كلما ارتفع عدد الرجال الذين ليست لهم أية علاقات (عاطفية-جنسية) ترتفع معدلات الجريمة والاغتصاب واحتمالات العنف السياسي.

وفي ظل وضع مشابه، ستكون المناطق الأكثر تضررا هي المناطق القروية والأوساط الفقيرة، لأن النساء المنحدرات من المناطق المذكورة، حين سيصير بإمكانهن الزواج، سيغادرنها باتجاه المدن. أجزاء من آسيا قد تصير شبيهة ببعض المجتمعات التي تمارس التعدد مثل السودان أو شمال نيجيريا حيث يتزوج الرجال الأغنياء بعدة نساء ويتركون الفقراء أمام واقع الندرة.

إنها معضلة لا توجد حلول سهلة لفكها. كتب التاريخ تحكي عن الحكام الذين كانوا يحلون أزمة الفائض في الرجال بإرسالهم للحروب، لكن، من الجلي، أن حلا مماثلا سيكون أسوء من المشكل نفسه. البعض يرى أن على الحكومات أن تسمح بانتشار أوسع للعهارة.

في الغالب، تتسم العهارة بكونها ممارسة غير قانونية واستغلالية، لكن بإمكان الحكومات تخفيف وطأة ذلك في حال تم تشريعها وتقنينها. أحد الأكاديميين الصينيين ذهب حد اقتراح تشريع تعدد الأزواج ! وعلى ما في الاقتراح من حدة، هناك احتمال كبير أن تحصل ممارسة مشابهة في المناطق التي تشهد أعلى معدلات التفاوت بين الجنسين وإن خارج القانون.

عموما، على الحكومات أن تتحلى بكثير من الحكمة والحذر في معالجة هذا المشكل، خاصة في ظل سجلاتها السيئة في مجال تقنين النمو الديموغرافي. فمثلا، سياسة الطفل الوحيد بالصين، وإن تم تخفيف حدتها مؤخرا، فاقمت التفاوت الحاصل بين الجنسين على مستوى البلاد. بل هناك ما يفيد بأنه لو لم يتم إقرارها، لتقلص معدل الولادات في الصين، وربما بنفس الوتيرة المسجلة في بلدان آسيوية أخرى. السياسات السيئة عموما تطيل عمر المشاكل التي كان من المفترض أن تحلها.

في آخر المطاف، سيكون على المجتمعات الآسيوية تدبير أمر فائض الذكور الذي أنتجته بنفسها. ومهما تكن القرارات التي تتخذها الحكومات الآن، سيشكل الخلل المسجل بين الجنسين مشاكل لعقود قادمة. الميل لإنجاب الذكور في الماضي، سيضر بالرجال والنساء سواء بسواء.

عن “ذي إيكونوميست”

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي