ما بعد العودة إلى حضن إفريقيا

31 يناير 2017 - 20:43

لم يعد من المقبول اليوم الحديث عن الطعنات من الخلف، القادمة من البنايات القائمة بأديس أبابا. كما لم يعد مقبولاً نهج سلوك الانتظارية، والارتجال في مواجهة قرارات أو تصريحات تمس الوحدة الترابية للمغرب.

اليوم، قطع الملك محمد السادس مع 33 سنة من عهد الكرسي الفارغ داخل الاتحاد الإفريقي. ليس سهلاً أن تتابع العاهل المغربي، وهو يلقي خطابه أمام القادة الأفارقة، وفي زاوية من القاعة، يجلس من يتوهمون أنهم يمثلون “شعباً يطالب بالانفصال عن الأرض والروابط”. هذا الخيار يظهر أن التوجه اليوم وغداً، مواجهة مباشرة مع من ينازعون المغرب على حقه في السيادة على أقاليمه الجنوبية. لكن ماذا بعد كل هذا؟

صحيح بلغة السياسة الدولية، ما وقع في الـ24 ساعة الأخيرة يمثل انتصاراً للمغرب. وخطوة لم يكن لتكتمل لو لا تحريك الآلة الدبلوماسية بسرعتها القصوى، مع توظيف جميع الملفات التي يملك فيها المغرب اليوم دور الريادة، أو التفرد بالتدبير الجيد، وهي: الأمن وضمان الاستقرار في محيط ملتهب أين ما وليت وجهك. المصالحة مع تواجد مهاجرين غير قانونيين فوق ترابه، بل تسوية وضعيتهم ليكون لهم الحق في عدد من الأشياء كما المغاربة. الانفتاح على الاستثمار جنوب/جنوب انطلاقاً من قاعدة رابح/رابح، وأن ثروات إفريقيا للأفارقة، وهو الشعار الذي رفعه محمد السادس اليوم في خطابه. فضلاً عن الحديث باسم إفريقيا والترافع لأجلها في عدد من القضايا، آخرها قضية التغيرات المناخية، خلال مؤتمر المناخ (كوب 22) بمراكش، واقناع رواد السمراء والمستثمرين فيها من الأجانب أن واقعها ليس ما يخرج من باطنها فقط، بل هو كذلك، ضمان للقوت اليومي للمواطنين، عبر تعزيز الاستثمار في القطاع الفلاحي. كما لا يمكن القفز على دور المغرب اليوم، في ضمان ما يعرف بـ”الأمن الروحي”، من خلال تكوين عدد من أئمة الدول الإفريقية المسلمين، وهي الخطة التي أظهرت فعاليتها في رد خطر تسلل التطرف وابنه الإرهاب إلى صوامع المساجد…

لكن هذه إفريقيا. لا حكام دائمين فيها. هذه الرقعة من سطح الأرض، قد تفاجئك كل يوم، بل كل ساعة، بتغير مزاج من يقودون هنا أو هناك، يأتي هذا الأخير بطرق ومسالك غير متوقعة. فكيف يمكن تحصين ما تناقلته اليوم وسائل الإعلام الوطنية والدولية مشيرة إليه بوصف الانتصار؟

لنبدأ من حيث صيغ السؤال الأخير. فطنت جل الدول التي تبحث عن موطئ قدم لها في أي رقعة من الأرض، أن الآلة الإعلامية سلاح عابر للقارات، ولا يمكن تعويضها بطرب الآلة كما نقلت لنا قناتنا الوطنية الأولى العريقة اليوم قبل موعد خطاب الملك. فطنت الدول، إلى أن الحل للنفاذ إلى عقول البشر، يمر عبر مشاريع إعلامية متكاملة، متعددة اللغات، تبدأ بالشاشة الصغيرة، تمر عبر وكالة أنباء غير تقليدية، تعرج على جرائد وطنية رائدة لا تعزف بالضرورة نفس اللحن مع من يحكمون، ثم تحط الرحال بالصحافة الإلكترونية التي تنقل الخبر للآلاف في ثانية، لتختم جولة التأثير، كذا صناعة الرأي العام بين أحضان مواقع التواصل الاجتماعي، وهذه الأخيرة، ابتكر لها العارفون بقوتها، مضموناً إعلامياً ينسجم مع خصوصيتها، لم تفهمه منابرنا الإعلامية بعد.

لا يمكن أن نواجه بقصاصة إخبارية عنوانها فقرة. “الحرفية” في الإعلام، الذين يضعون العبارات في عناوينهم بعناية فائقة، يعرفون جيداً قوته في الانتشار إن صيغ العنوان كما يجب. لا يمكن أن ننقل ما يروج داخل المغرب، ويفكر فيه لأجل محيطه وأبعد من ذلك، بقنوات لاتزال تملأ “الفراغ” بإنتاجات من الأرشيف، وتبث نشرات أخبار أشبه ببرامج اجتماعية، وتجعل من الأنشطة الرسمية صورة جامدة يجب أن يلقن من يعلق عليها لازمة تتكرر كل مرة. كما لا يمكن أن نخنق الإعلام المستقل، وإن أغضب البعض بين الحين والآخر، وهو الذي يقف لصالح الوطن ومعه في أي محطة مشابهة لليوم، ويقدم بذلك دروساً في أن الاختلاف في الرؤية للأمور لا يدفع أبداً للمزايدة عليه. كذلك، لا يمكن أن نقنع من يبحث عن الفهم، بتمرير وجوه يراها المغاربة صباح مساء، تفهم في كل شيء، ولا تقول أي شيء، تحلل لـ”تحلل” رزقها فقط. وفي سياق ما سبق، يحسب للزملاء في “ميدي 1 تيفي”، ما قدموه خلال تغطية معركة عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، من طبق إعلامي متنوع، وإن ببعض الملاحظات عن الذين “يحللون الرزق”.

قبل كل هذا، ماذا سوف نسوق؟ هنا يحضر إلى ذهن ما يصفه البعض بـ”الدبلوماسية الموازية” وهذه الأخيرة منهم براء. أصبح كل من لبس “تيشروت” يحمل علم المغرب، وصاح في وجه الخصوم “عاش الملك، الصحراء مغربية”، “فاعلاً دبلوماسياً” يُمنح فضاء هنا وهناك للحديث، أو يسافر هنا وهناك لتمثيل شرائح من المغاربة. “الدبلوماسية الموازية”، أولاً، تمكنٌ من تاريخ الصراع الدائر، وعنوان كل ما يقع اليوم. تحكمٌ في ضبط إدارة النقاش وتوجيهه، فن للمرافعة، تغلغل وليس سياحة، نقاش بلا انفعال لصالح من تواجه “أطروحاتهم”، مفاوضات لأجل كسب موقف، صراع بالكلمة والبحث والتمحيص وعرض الدلائل والمعطيات، واقتناص نقاط ضعف الخصم من لسانه. هنا يمكن أن تجد ما تسوق.

ماذا عن الدبلوماسية الرسمية؟ هنا، أرى أنه يجب تقوية مؤسسة وزارة الخارجية، طيلة 3 سنوات من تتبع وتغطية الأحداث الدولية، الكلمة لمن يشرفون على هذا القطاع، نعم هي إدارات تصرف مواقفها عبر الناطقين باسمها، لكن هؤلاء لهم من الحضور والقوة، يخال إليك أن مواقفهم تصدر عنهم في حينه، رغم أن ما ينتجونه لا يخرج عن توجيهات تصرف بحبكة سياسية “مطرزة”.

قد يبدو المعطى الأخير حول سؤال: ماذا بعد؟ بعيداً عن السياق. لكن أهميته تظهر مع تعاقب الأجيال. إن لم نجعل من التعليم بوابة للفهم وامتلاك أدوات التحليل والرقي بالفرد وسط المجتمع، لن نجد يوماً لمن نسوق انتصار اليوم، ولن يجد الأخير من يسوق له في الخارج.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ايمن منذ 4 سنوات

المغرب في حاجة الان و اكثر من اي وقت مضى الى "حكومة قوية و منسجمة" لاستثمار هذا الانتصار الافريقي و لمواجهة مناورات أعداء المغرب التي لم تنته. سيدنا الله ينصره قام بدوره و الان على الحكومة ان تنحوا نحوه لكي ييقى المغرب قويا على الصعيد القاري يجب ان يكون قويا على الصعيد الوطني و لسيدنا واسع النظر...

التالي