سُحب الجراد الإفريقي

02 فبراير 2017 - 14:24

في لقاء جمعهما، سنوات التسعينيات، بأحد فنادق طنجة المطلة على مضيق جبل طارق، حيث الجنوب الإسباني يلوح على مرمى حجر، طفق الروائي الفلسطيني إميل حبيبي يُحدث نديمه محمد شكري عن مستجدات القضية الفلسطينية. وللحظة التفت إلى صاحب “زمن الأخطاء” طالبا رأيه، فأجاب شكري بتلقائيته الصادمة: “الفرق بيننا وبينكم هو أنكم تموتون من أجل العودة إلى أرضكم، ونحن نموت من أجل ترك أرضنا، في قوارب الهجرة نحو الشمال الأوروبي”.

موسم الهجرة نحو الجنوب الذي اختاره المغرب مؤخرا، يستمد قوته وعناصر نجاحه من واقعيته التي تخلت عن خطاب الأمس، الإيديولوجي، المطبوع بالدم والنار وبشعارات كبيرة وإنجازات حقيرة. خطاب براغماتي ينطلق من تقديم الأجوبة الاقتصادية والثقافية والأمنية.. انطلاقا من أسئلة الشعوب الإفريقية واحتياجاتها، وهو خطاب نقيض لما كان عليه الأمر زمنَ التطاحن الإيديولوجي حيث الأجوبة جاهزة، والويل لمن لا يملأ “الفراغ الآتي” بغير الكلمات المناسبة.

أجيال إفريقيا الجديدة لم تعد تقبل أن تلوك أفواهُها الجائعة شعارات التحرر والاشتراكية، فالطعام قبل الكلام بالنسبة إليهاـ لذلك فهي تهجر بلدانها وتقطع آلاف الكيلومترات نحو الشمال بحثا عن فرص أخرى وآفاق أرحب، كافرةً بكل الشعارات التي رفعتها الشعوب واستفاد منها الحكام، بما في ذلك شعار الوطن، أحيانا. و”هل ترسمُ على عُلب التبغ الفارغة أشجاراً وأنهاراً وأطفالا سعداءَ وتناديها يا وطني.. ولكن أيَّ وطنٍ هذا الذي يجرفه الكنّاسون مع القمامات في آخر الليل؟”، كما قال محمد الماغوط لبدر شاكر السياب.

المغرب أعطى ظهره لجنوبه وتوقف عن لعب أدوار كبرى في إفريقيا، لم يبدأ بانسحابه من منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984، بعد اعتراف المنظمة بدولة بدون أرض ولا سيادة ولا شعب كامل، بل بدأ سنة 1963، السنة التي تأسست فيها منظمة الوحدة الإفريقية في ماي، وولد فيها الملك محمد السادس في غشت، ونشبت فيها حرب الرمال في أكتوبر. وفيها حدث الشرخ الكبير بين القصر الملكي وجزء من الحركة الوطنية- الديمقراطية بقيادة المهدي بنبركة الذي وقف ضد حرب الرمال فعاش النفي والخطف والقتل، والفقيه البصري الذي كان يلقي خطاب الشعب بعد خطاب الملك كل 20 غشت قبل أن يجد نفسه في السجن في يوليوز من السنة نفسها: 1963. في هذه السنة هيمنت الجزائر “التحررية” على إفريقيا الفقيرة والمستغَلة، وبدلا من أن تحررها من فقرها وتبعيتها، حررتها من المغرب الذي كانت تسوِّقه كبلد حليف للاستعمار، قبل أن تفلح بعد 10 سنوات في تقديمه كبلد مستعمر بعدما خلقت ودعمت جبهة “البوليساريو” في 1973.

إن أية عودة ناجحة اليوم إلى الحضن الإفريقي يجب أن يُراعى فيها الشرط الديمقراطي “التشاركي”، بين الملك والحكومة والشعب. كما أن أي حوار جنوب- جنوب، يتطلع إلى النجاح والتحرر من ربقة الغرب وعقدة الشمال لبناء الشخصية الإفريقية القوية والمنافسة، يجب أن يبدأ بالتخلص من ثلاثة معيقات: عقدة التاريخ، وجثة الإيديولوجيا، ووهم التفوق.

في موضوع يمكن أن يصلح للمقارنة، ويعفينا من كثير شرح، قال خوان غويتيصولو في كتابه: “إسبانيا في مواجهة التاريخ.. فك العقد” بأنه: “عندما قال كلاوديو سانتشيت البورنوث بأن ثقافة الأندلس دمرتها “سحب الجراد الإفريقي” في إشارة إلى الموحدين والمرابطين، نسي أن هؤلاء هم من أنشؤوا الخيرالدة في إشبيلية وقصور مملكة غرناطة. في جميع الأحوال كان هذا الجراد مؤدبا. لا ننسى أن ابن رشد عاش في تلك الفترة. (…) “سحُب الجراد الإفريقي” هي التي أسهمت في وصول إسبانيا إلى تلك المكانة العالية على مستوى عائدات السياحة، ومع ذلك يتجنى بعض المؤرخين وغيرهم على التاريخ محاولين طمس معالم 800 سنة من الوجود العربي الإسلامي بالأندلس أو إسبانيا الإسلامية”. انتهى كلام الكاتب الإسباني الكبير، دون أن تنتهي إسبانيا من النظر إلى جنوبها بعجرفة وتعال، فهل ننجح نحن في الالتفات إلى جنوبنا بفخر وأمل، دون أن نرشّ “سحُب الجراد الإفريقي” في سمائنا بمبيدات العجرفة والتعالي؟

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي