العودُ أحمدُ..

03 فبراير 2017 - 12:38

عاد المغرب إلى البيت الإفريقي من بابه الواسع، وبعودته الرسمية طُويت صفحة عمرت ثلاثا وثلاثين سنة، خبر المغرب خلالها سياسات المد والجزر، ليهتدي في النهاية إلى ما اهتدى إليه ببصيرة، وعمل دؤوب، واقتناع صادق بأن مكانه الطبيعي مع أشقائه وجيرانه الأفارقة، لا بعيداً عنهم.

لاشك أن قرار العودة إلى النظام المؤسسي الإفريقي، ممثلا في “الاتحاد  الإفريقي”، كان خيارا واعيا، مفكرا فيه، واستراتيجيا. فمن جهة، ثمة رؤية مغربية جديدة حُيال إفريقيا، عنوانها الأبرز العمل الجاد من أجل بناء شراكات اقتصادية وتجارية ودينية، مؤسسة على منطق “رابح ـ رابح”، وهو الواقع الذي عبر عنه الخطاب الملكي الأخير أمام رؤساء القمة الثامنة والعشرين للاتحاد الإفريقي، حين أقام مقارنة بين الحصيلة الكمية للاتفاقيات المبرمة مع عدد من الدول الإفريقية ما بين 1955 و1999 (515) اتفاقية، ومن 2000 إلى 2017 قرابة الألف اتفاقية، ناهيك عن التطور النوعي لمصفوفة هذه الاتفاقيات، حيث طالت قطاعات بالغة الأهمية من الناحية الاستراتيجية (الطاقة، الصناعة الفلاحية، وتكنولوجيا الاتصالات، والقطاعات البنكية والخدمات)، إضافة إلى التأثير المغربي في المجال الديني، لا سيما بالنسبة إلى الدول الإفريقية الآخذة بالمذهب المالكي. ثم إن المغرب، من جهة ثانية، ينطلق في رؤيته الجديدة تجاه إفريقيا من حصيلة ما راكم من إنجازات وخبرات في مجمل القطاعات المشار إليها أعلاه، والتي شكلت مصدر صدقية خطابه عن إفريقيا، والتطلعات التي يريد بوعي بناءها بشراكة مع البلدان الإفريقية.

صحيح أن موضوع الوحدة الترابية شكّل على الدوام القضية المحورية في علاقات المغرب بإفريقيا، وسيظل، دون شك، ملفا حاضرا وبالغ الأهمية في المقبل من هذه العلاقات، لكن ما يجب الانتباه إليه، أن ثمة مقاربة جديدة لتدبير هذا الملف، مغايرة تماما عن تلك التي حَكمت الممارسة المغربية خلال العقود السابقة. فمن العناصر القوية للمقاربة الجديدة، أن الدفاع الفعال عن ملف الوحدة الترابية، وشرعية حق المغرب في أراضيه المسترجعة، يتحقق بإقامة علاقات اقتصادية وتجارية وثقافية مبنية على المصلحة المشتركة بينه وبين البلدان الإفريقية، الأمر الذي لم يكن حاصلا بما يكفي من الفعالية في السابق، حيث تحكمت التقاطبات السياسية، والحسابات الضيقة الناجمة عنها، في عمق العلاقات الإفريقية ـ الإفريقية. علاوة على ذلك، هناك وعي متزايد داخل إفريقيا بأن استمرار روح “الحرب الباردة” جاثمة على علاقات البلدان الإفريقية لن يُجدي نفعا، وأن المجتمعات الإفريقية في ضرورة قصوى لصياغة علاقات جديدة، كفيلة بخلق شروط الاستثمار الأفضل للثروات الإفريقية، والتكاتف من أجل أن تكون إفريقيا سيدة نفسها في توجيه إمكانياتها صوب ما يخدم تنميتها المستدامة. والأمر الثالث الذي يُسائلنا هو أن تضخم الخطابات الإيديولوجية دون تغيير في واقع الممارسة، أصبح طريقا غير سالك، بل أثبت عدم جدواه لمجمل الدول الإفريقية.

وماذا بعد؟ فقد رجع المغرب إلى بيته الإفريقي، وهو الذي كان على رأس مؤسسي أبرز منظماته بداية ستينيات القرن الماضي.. نعم، رجع المغرب إلى إفريقيا من بابها الواسع، حيث سيشكل قيمة مُضافة، بخبراته، وإمكانياته، ورؤيته السليمة لما يجب أن تكون عليه العلاقات الإفريقية ـ الإفريقية.. هذه مرحلة قطعها المغرب باقتدار ونجاح كبيرين.. يبقى أن يُنجز المراحل المقبلة بالإصرار نفسه، من حيث تحقيق المشاريع الكبرى التي تجمعه مع البلدان الإفريقية، ويوسع ويُقوي دائرة الشركاء من داخل الدول التسع والثلاثين التي صوتت لعودته إلى الاتحاد الإفريقي، ولِم لا من خارجها.. ونتوقع أن يجد المغرب بعض المناكفات، من قبل من ظلوا مناوئين له، أو من هم في خط العداوة معه، غير أن الحكمة تقول إن على المغرب أن يعمل من أجل التقليل من تأثير هؤلاء وهم قِلة، أو في أضعف الأحوال تحييد دورهم في مستقبل مكانة المغرب داخل الفضاء الإفريقي.. إنها تحديات وصعوبات متوقعة الحصول، لكن للمغرب من الإمكانيات ما تسمح له بتجاوزها إيجابيا.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي