لأي شيء يصلح عمداء المدن؟

07 فبراير 2017 - 17:00

صدم المواطنون في أكادير من قرار الوكالة الحضرية بالتشطيب على مشروعين كبيرين في المدينة، هما «لاند أكادير» و«كامب أكادير»، كانا سيوفران مئات المناصب من الشغل، وسيحركان استثمارا مباشرا بأكثر من 330 مليون درهم على مساحة تتجاوز 39 هكتارا، والمبرر هو وجود المشروع على خط زلازل محتملة، وهو ما أثار عاصفة من الاستياء والسخرية وسط الجمهور، حيث طالب بعض المواطنين السلطات المحلية بنقل سكان أكادير كلهم إلى مدينة أخرى، خوفا على سلامتهم في مدينة لها ذكريات سيئة مع الزلازل.

المفارقات في هذه الحكاية كثيرة، ومغرباتها أكثر، وأولاها أن الوكالة الحضرية التابعة لوزارة التعمير سبق لها أن أعطت الموافقة المبدئية على المشروع قبل أن تغير رأيها. ومع تغيير رأيها، كبدت أصحاب المشروع 30 مليون درهم صرفوها على إعداد المشروع، والشروع في التنفيذ بناء على رخص مؤقتة تسلموها من المجلس البلدي، الذي خرج رئيسه المنتمي إلى حزب العدالة والتنمية يتبرأ من قرار الوكالة الحضرية، ويبدي استغرابه، ويحذر من أن رفض المشروع الاستثماري سيؤثر على سمعة المدينة شبه المنكوبة. المغربة الثانية أن عمدة المدينة المسؤول عن إنعاش الاقتصاد المحلي وتوفير مناصب الشغل وحماية سمعة المدينة لدى الرأسمال، يجد نفسه عاجزا أمام موظف (مدير الوكالة الحضرية) لا هو منتخب، ولا هو خاضع للمحاسبة، ولا هو يملك حسا اقتصاديا ولا حتى قانونيا، بل إن وظيفته خرجت عن نطاق إعطاء الاستشارة القانونية في مجال التعمير إلى أن أصبح سلطة تقرر ما يجب فعله وما لا يجب فعله في الوعاء العقاري للمدينة وفي مجموع مشاريع البناء في الولاية. أما ثالثة المغربات في هذه القصة فهي وقوف الوالي زينب العدوى على مسافة من هذا الرأي «القانوني» للوكالة في مشروع قالت أمام الصحافة، أكثر من مرة، إنه مثل ابنها، وإنها ستتبناه إلى أن يظهر للوجود، بعدما ظل «يهرول» في دهاليز الإدارة لمدة تسع سنوات منذ كان بوسعيد واليا على أكادير إلى اليوم.

إذا كان المشروع يوجد في منطقة زلازل، فهذا لا يوجب إلغاءه بجرة قلم، بل يوجب اشتراط نوع خاص من البناء في المشروع، فمدن كثيرة في اليابان مبنية فوق الزلازل وتحت البراكين، أما إذا كان خلف هذا الرفض قرار سياسي لحرمان حزب المصباح من أي مشروع اقتصادي أو سياحي أو اجتماعي يستفيد منه السكان، فهذا اسمه «عقاب جماعي» للسوسيين الذين صوتوا لحزب بنكيران. لكن الخوف، كل الخوف، أن تختبئ التماسيح والعفاريت، التي يسيل لعابها على هذه الأرض، خلف «الزلزال» لبلع 39 هكتارا على البحر في منطقة سياحية جميلة.

لقد قرأنا في وثائق وكيليكس، قبل خمس سنوات، كيف فضح السفير الأمريكي بالرباط سلوك الإدارة عندنا، والتي ترفض مشاريع استثمارية للبعض بمبررات واهية، لتعطيها، تحت جنح الظلام، لجهات أخرى لم تلتفت إلى أهمية المشروع حتى انخرط فيه المستثمرون الذين لا يتوفرون على غطاء سياسي لدى الإدارة.

إذا كان عمدة المدينة المنتخب من قبل المواطنين، والمعرض للمحاسبة من قبل الناخبين والمجلس الأعلى للحسابات والقضاء والحزب، غير قادر على الترخيص لمشروع سياحي في مدينته، فلأي شيء يصلح عمدة المدينة؟ ولأي شيء تصلح الديمقراطية المحلية المفترى عليها؟ وماذا نصنع بشعارات الجهوية والحكامة وسياسة القرب واللامركزية، وإشراك الجماعات الترابية في مخططات التنمية والتشغيل وخلق المهن المدرة للدخل؟

زرت إسبانيا في الأسبوع الماضي، ووقفت على مشروعين قامت بهما عمدة مدريد مانويلا كارمينا (71 سنة)، وهي قاضية سابقة بالمناسبة، صعدت من خلال تحالف بين بوديموس وأحزاب صغيرة ودعم من الحزب الاشتراكي تحت برنامج «مدريد الآن»، ونزعت العاصمة الإسبانية من براثن الحزب الشعبي، الذي كان يعتبر مدريد معقله التاريخي. هذه العمدة العجوز اتخذت قرارين كبيرين في مدة قصيرة، حيث منحت شركة كبيرة متخصصة في إدارة نوادي الرياضة قطعة أرض بالمليارات في مدريد مقابل أن تبني عليها ناديا كبيرا للجيم، شريطة أن تنزل من أسعار الانخراط في النادي لسكان العاصمة، وذلك لتشجيعهم على ممارسة الرياضة، خاصة في فصل الشتاء. والقرار الثاني هو منح أرض بالمجان لمستشفى صيني ضخم، وذلك لتشجيع الشركات الكبرى على الاستثمار في الصحة، وتخفيف العبء عن المستشفيات العمومية، ودفع القادرين على الأداء إلى الاتجاه نحو المصحات الخاصة، وكل هذا لتخفيف العبء عن إسهام مجلس المدينة في دعم قطاع الصحة العمومية.

قبل أن أقارن بين ما يجري شمال الضفة المتوسطية وجنوبها، أترككم مع هذه الشهادة التي سمعتها من عمدة نيفادا في ندوة ocp الأخيرة بمراكش (Brian Sandoval governor of Nevada)، الذي عرض أسلوبه في إدارة الولاية فقال: «جئت قبل سبع سنوات إلى هذه الولاية، فوجدت شركات كثيرة تعلن إفلاسها، والسياحة في نزول، والبطالة في صعود، وجوا من اليأس يضرب معنويات الأمريكيين في نيفادا. طرحت برنامج إصلاحات طموحة، وفزت بثقة الناخبين، فكان العمل منذ اليوم الأول الذي وضعت فيه رجلي في مكتب الحاكم».

ماذا فعل صاحبنا أمام هذا الوضع؟ يحكي: «بدأت بتهيئة مناخ مناسب لجلب الاستثمارات، واستقطاب المشاريع الكبرى للشركات. غيرنا القوانين المتعلقة بالاستثمار، وراجعنا تعريفة الضرائب، واجتمعنا مع عمداء كليات الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا والعلوم، ودعونا مديري الشركات إلى الجلوس معهم حول طاولة واحدة، حتى يعرف أصحاب مختبرات تكوين عقول الطلبة وتعليمهم ما هي حاجيات المصانع والشركات والمقاولات، وعرضنا مساعدة مالية على الجامعات لتكييف برامجها مع سوق الشغل الجديد. أكثر من هذا، أنشأنا صندوقا لدعم العاطلين عن العمل من أجل إيجاد الشغل عن طريق دورات تكوينية جديدة، وعرضنا منحا على الجامعات لفتح أبوابها أمام الفئات الهشة، وطفت البلاد شرقا وغربا أبحث عن ضيوف يقبلون بالنزول عندنا، والاستفادة من الفرص التي خلقناها في الولاية»، ثم أضاف مزهوا بحصيلته: «استقطبنا شركة آبل التي وضعت عندنا مركزا ضخما لبياناتها بالمليارات من الدولارات، واستقطبنا أكبر شركة لصناعة البطاريات، حيث ستنتج كمية أكبر مما ينتجه العالم كله من البطاريات على مساحة 10 ملايين متر مربع، ويد عاملة تتجاوز 6000 مواطن، ومازلنا نفتح فرصا جديدة لشركات أمريكية وأجنبية للاستقرار في ولايتنا، مع توفير بيئة صديقة للمقاولة». بدون تعليق.

كلمات دلالية

OCP
شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عبد المجيد مزور منذ 4 سنوات

هناك من هو مستعد لحرق البلاد و لا تزداد شعبية حزب معين

عبد الوهاب منذ 4 سنوات

لم يكدب السيد بنكيران هناك تماسيح و عفاريت يلعبون في الخفاء و لا يريدون مصلحة الوطن بل مصلحتهم فقط و في المقابل هناك مواطنون لم يستعملوا حقهم في التصويت سواء بعدم التسجيل او عدم التصويت او باعوا صوتهم بثمن بخس و صدق الملك حينما قال نحن مسؤولون عن اختيارتنا و هؤلاء الاصناف الثلاثة اضعوا على المغرب فرصة التقدم و اختيار الاصلح و اعطائه كامل الصلاحية اولا العددية لان اي قانون او مشروع يجب ان تتوفر لدى العمدة او رئيس الجماعة او رئيس الجهة او حتى رئيس الحكومة الاغلبية العددية فياتي في المرتبة الثانية مضمون البرنامج ثم تاتي في المرتبة الثالثة توفير الميزانية و في المرتبة الرابعة ياتي الاشخاص الدين يسهرون على تطبيق المشروع ان يكونوا جلهم نزهاء و ليس كلهم لاننا لسنا في الجنة و لكن فوق الارض.

عزيز المغربي منذ 4 سنوات

ما يقع في أكادير يقع كل يوم في مناطق أخرى من المغرب، ومنها الحسيمة التي تعرف حراكا منذ شهور. المصيبة أن ما يحدث في الحسيمة لا يحرك المسؤولين للعمل في الاتجاه الصحيح، بل إنهم يصرون على تدبير أرعن للأوضاع. والي الجهة لا يهتم أصلا بالحسيمة ولا بملفات الحسيمة، أما العامل فيعرقل عمدا المشاريع والاستثمارات في الإقليم. لكن للأسف أنه أن هذا البلد السعيد اخترع نظرية المسؤولية بدون محاسبة.

مهاجر من العالم الثالث منذ 4 سنوات

اذا كان عمداء حزب العدالة و التنمية لا يستطيع ون الدفاع عن صلاحياتهم ومصالح سكان مدنهم فلماذا ينتخبهم السكان .قال لك تنمية افريقيا و هم لم ينموا بلدهم و باز

momo 13 منذ 4 سنوات

Et pourtant c’est très claire, le Makhzen est devenu, allergique, voire malade à tout ce qui touche au PJD. A Rabat, M. Laftit passe tout son temps à intenter des procès – qu’il a tous perdus –contre le maire. A Tanger, le tahakkoum tient à assécher les caisses du wilaya en obligeant le maire à rembourser des expropriations engagées par ses prédécesseurs, A casa, on multiplie les manœuvres pour discréditer le maire. Enfin, à Agadir, le tahakkoum est sur le point de faire capoter un méga projet pour la simple raison que c’est le PJD qui en est le parrain. Si on ajoute à cette mascarade, la détention arbitraire des cavaliers du Facebook, et surtout le blocage imposé malicieusement à M. Benkirane pour l’empêcher de constituer le gouvernement, on est forcé de constater qu'on se trouve devant une machination diabolique que personne n’est en mesure de prévoir les retombées.

Moha منذ 4 سنوات

المخزن الغبي، بعد البلوكاج السياسي ،يمارس البلوكاج على التنمية بالمدن و الجماعات المسيرة من طرف المصباح.....نقول له فاقد الشيء لا يعطيه....من يعرقل تنمية بلاده، لن ينمي افريقيا.......الشعب ذكي و يمتلك ذاكرة.....و قريبا سيكنس هدام الدولة و الوطن

مواطن من تطاون منذ 4 سنوات

ماذا بقي للمواطنين السوسيين إلا الخروج إلى الشوارع والساحات العمومية للاحتجاج على هذه المواقف السياسوية التي يقفها المخزن وأدواته ازاء التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تخرج المنطقة السوسية من أزماتها ومشاكلها المتعددة ، كما يتعين على حزب العدالة والتنمية أن يخرج عن صمته ويصدر بيانا يوضح للرأي العام المحلي والمغربي ما يتعرض له عمدة مدينة أكادير من انتقاص لمبادراته التنموية وعوائق مصطنعة التي يفتعلها المخزن الإداري وأزلامه الذين يعرضون المنطقة السوسية لآفات وأزمات وعواقب وخيمة يمكن أن تؤدي إلى حدوث ما لا تحمد عقباه كما يقع حاليا في مدينة الحسيمة التي تعيش على سقف ساخن .

التالي