تعالوا نزور معرض الكتاب!

14 فبراير 2017 - 15:19

تمر السنوات ويتعاقب الوزراء والمديرون والناشرون والكتّاب، و”معرض الدار البيضاء للكتاب والنشر” على حاله: يحف الشارب ويعفو عن اللحية ويرتدي اللباس الأفغاني. اللقاءات والندوات والتوقيعات ورواق وزارة الثقافة وجاره المخصص لمجلس الجالية المغربية في الخارج.. تبدو كأنها خدع بصرية، تخفي حقيقة مقلقة:  الحدث أصبح موعدا سنويا لنشر الفكر الخرافي والتكفيري. جولة صغيرة بين الأروقة تجعلك تكتشف أن الكتاب السلفي هو الأكثر رواجا. مؤلفات تدعو إلى العنف وتحرض على الكراهية وتمجد العنصرية تُعرض بكل حرية، وتحقق نجاحا منقطع النظير، مع  كتب الطبخ و”كيف تصبح مليونيرا” و”لا تحزن”، وكلاسيكيات “نظرية المؤامرة”، فضلا عن الترجمة الرديئة لـ”كفاحي” و”بروتوكولات حكماء صهيون”، بتوقيع عباس محمود العقاد، وغيرها من المؤلفات التي تبث الخرافة والجهل والعنف والإقصاء في عقول الأجيال. ناهيك عن “الخيام” الضخمة التي تنصبها بعض الدول الخليجية في فضاء المعرض، لترويج “كميات وافرة” من الكتب السلفية والتكفيرية بأسعار بخسة أو توزيعها بالمجان على مواطنين بسطاء، يفرحون “للفابور”، دون أن يعرفوا أنهم سيدفعون الثمن غاليا في النهاية. ولا أعرف كيف يسمح المسؤولون بإغراق الأروقة بمثل هذه الكتب الخطيرة والتافهة؟ وهل ثمة من يراقب قائمة المؤلفات قبل السماح للناشرين بعرضها أم إن الحبل متروك على الغارب؟ المفروض أن معرض الكتاب ليس سوقا يدخله من هب ودب، بل هو مناسبة ثقافية رسمية، يمولها دافع الضرائب، للتعريف بالإصدارات التي ترقى بالفكر وتهذبه، وتنظيم لقاءات بين الكتاب وقرائهم. كيف يعقل أن تتحول إلى خيمة واسعة لترويج كتب تشكل خطرا على عقول الأجيال الصاعدة؟ الحكمة تقتضي أن يتم التعامل مع المؤلفات التي تنشر التطرف والعنصرية بحزم أكبر، لكن السنوات تمر، والمعارض تتعاقب، دون أن يتغير أي شيء. “لمن تعاود زابورك يا داود”!

إذا كانت الدولة، عبر وزارة الثقافة، تشرف على نشر مثل هذه الكتب، علينا ألا نستغرب ونحن نرى الحضيض الذي وصل إليه النقاش الفكري في بلادنا. تكاد تفتش المشهد بكامله ولا تعثر على فكرة واحدة تدفع هذا المجتمع إلى الأمام. الشعارات أخذت مكان المشاريع، والشتائم حلت مكان النقاش والعنف أخذ مكان الحجة. لا كتب ولا أفكار ولا مقترحات جدية. السيدة المحترمة التي كنا نسيمها “الثقافة المغربية”، لم يعد يهمها إلا الرقص والغناء والتمثيل، تحزمت وصعدت إلى المنصة بحثا عن الأضواء. كأن الجميع تواطأ على الانصراف إلى الموسيقى والسينما، وترك بقية الأشكال الثقافية تموت، وفي مقدمتها الكتاب. المغاربة لا يقرؤون طبعا، رغم أنك عندما تتأمل الكتب التي تصدر وتقوم بجولة صغيرة في معرض الكتاب، تقول معهم حق: “واش هادي كتوبا يقراها الواحد؟!”

عندما كان المغرب بالأسود والأبيض وكان على الملعب فريقان واضحان، مخزن ومعارضة، وقف المثقف على اليسار ينتج ويناقش ويقترح، لكن هذه الحيوية خفتت بالتدريج، مع بداية ما سُمي بـ”التناوب”. بعد أن استنزفت السلطة قوى اليسار، أفلست كل المشاريع الكبيرة والصغيرة، وماتت المجلات الثقافية، واحتضر النقاش الفكري، وتراجع الإنتاج الإبداعي، وتوفي “اتحاد كتاب المغرب”، وتحول المثقفون إلى مرتزقة على أبواب السياسيين والخليجيين ومن يدفع أكثر، والكبار صمتوا لأسباب غامضة.

 

التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية العميقة، التي شهدتها بلادنا في العقدين الأخيرين، لم يواكبها نقاش فكري أو دراسات أو إنتاجات إبداعية في مستواها. أين كنا وأين وصلنا؟ في 1964 أسس محمد خير الدين مجلة اسمها “Poésie toute”، وعمره ثلاثة وعشرون عاما، وفي السنة الموالية نشر مصطفى النيسابوري مجلة أخرى عنوانها: “Eaux vives” وعمره واحد وعشرون عاما، وفي 1966 أسس اللعبي مجلة “أنفاس” وعمره ثلاثة وعشرون عاما… في الأدب فقط، دون الحديث عن المطبوعات الفكرية والاقتصادية والسياسية. يبدو أن ثقافتنا أُصيبت بأزمة قلبية أدخلتها إلى “الكوما”، وهي ترقد من سنوات في قسم العناية المركزة، دون أن يزورها أحد.

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

السمّاك بن خرشة منذ 5 سنوات

إنصافا للفكر الوهابي فهو فكر معتدل كان له الوقع الإيجابي على حياة المسلم إلا أنه بعد ٱستغلاله و إشراكه في مشاكل و تعقيدات السلطة، هنا ألوم بعض فقهاء البلاط سامحهم الله الذين أخذوا منه الشرعية لقضاء مآربهم هم و حكامهم

محمد أبوعمر منذ 5 سنوات

يبدو أن الكاتب اعتمد في مقاله على ما يحمله في صدره من حقد على المظاهر الإسلامية (كاللحية و حف الشارب و النقاب و الخمار....) وأنا هنا لا أشكك في حبه لدينه, ولكن أقول له لقد كذبت عندما قلت بأن الكتب المعروضة تغذي فكر التطرف و الإرهاب, و إن الله سائلك يوم القيامة عن هذا المقال, وأنا أتحداك أن تأتي بعناوين الكتب المعروضة التي تغذي الإرهاب...ولكن دين العلمانيين يبيح لهم الكذب لتشويه صورة الإسلام و تضليل العقول الضعيفة, فهم يموتون غيضا عند رؤية الشباب يقبلون على الكتب الدينية. ولو كانت العلمانية فكر لواجهوا الفكر بالفكر لكن بضاعتهم كاسدة في الدنيا و الآخرة

mohamed zen منذ 5 سنوات

واسي جمال، يهديك الله، واش كتكلم على معرض الدار البيضاء أو معرض آخر. حتا حنا مشينا للمعرض، تساريناه طولا و عرضا، كان متنوعا و مليئا بجميع الكتب في مختلف المجالات. لا تبخسو الناس مجهوداتهم.

Visiteur منذ 5 سنوات

Depuis 2 ans, le CCME n’a plus de stand au SIEL… Cela montre que celui qui a commis cet article n’as pas mis les pieds dans le Salon de Casablanca depuis des années. C’est pour cela que l’article sent le réchauffé... et la mauvaise foi. C’est du populisme aveugle… et c’est bien dommage venant d’un « intello » qui se croit intelligent !

صديق عبدالله منذ 5 سنوات

هل زار صاحب المقال معرض الكتاب وتجول في اروقته .. ام هووالافتئات من وحي الخيال والموقف القبلي لغرض ما .. لقارئك عليك حق .. فكيف يسمح لك ضميرك الانساني .. والمهني ان تصور مشهدا لا يوجد في الواقع .. الواقع الذي يتحداك ان تعثر على ما ذكرته من الكاب التي سميتها .. في معرض الكتاب بالدار البيضاء الكتاب الديني التراثي الذي لا ينكر شرعية وجوده سوى اصحاب الفكرة المتطرفة شقيقة الفكرة المتطرفة المضادة .. وكلاهما يتبرأ منهما معرض البيضاء .. في معرض الكتاب منشورات دار الطليعة والساقي و الجمل والفارابي ومدبولي والمتوسط و التنوير .. والقائمة طويلة .. واطول من النظر القصير لصاحب المقال غفر الكتاب له

مصطفى منذ 5 سنوات

لمن تعاود زابورك يا بودومة !

رشيد الاسماعيلي منذ 5 سنوات

لا فض فوك يالسي جمال ..... وأريد أن أضيف أن معرض الكتاب يشكل واجهة لكثير من العارصين الدين يستغلونه سنويا لبع عشرات الآلاف من الكتب المزورة بعشرات العناوين أغلبها يطبع في مصر وتركيا بطريقة مزورة ومنقوصة في محتوياتها أحيانا تدخل الجمارك المغربية بالفور يالشيفور مقابل مبالغ جزافية حيث يتم بيعها بأثمنة بخسة في السوق السوداء ليعاد بيعها على عينيك يابن عدي في أكشاك الجرائد التي تحولت بقدرة قادر الى مكتبات متخصصة في بيع الكتب المزورة أمام أعين الجميع أما وزارة الثقافة التي أركبوها في العمارية فهي منشغلة الى جانب وصيفها اتحاد الكتاب بتنظيم ندوات ثقافية على هامش المعرض تحضرها بكثافة كثير من الكراسي الفارغة ... وما خفي كان أعظم .