الحب في زمن "البلوكاج"

14 فبراير 2017 - 22:10

مسلسل مشاورات تشكيل الحكومة المغربية، أشبه بمسلسل حب تركي، تفاصيل “الخير والشر” فيه معروفة عند الجهور، ووحدهم الممثلون ومعهم المخرج، يتفادون المرور ولو بقربها، لكي تطول حلقاته، ضدا في ذكاء المشاهد المغلوب على أمره، لأن لا بديل أمامه، غير متابعة ما يقدم له من طبق.

مسلسل تشكيل الحكومة فاق أربعة أشهر. بدأت حكايته حين أعلنت نتائج انتخابات 7 أكتوبر 2016. وضعت أسس تركيب مشاهده 48 ساعة بعد بلاغ تصدر حزب العدالة والتنمية لنتائج الاقتراع، بترسيخ مبدأ تعيين رئيس الحكومة الدستوري من الحزب الفائز، حين أعلن الملك محمد السادس عبد الإله بنكيران المكلف بتشكيل الهيئة التنفيذية لمؤسسات الدولة. ثم انتقلت كاميرا توثيق فصول المسلسل، نحو مسار المشاورات، التي فرضت ظروف محيطة بها، وصول عزيز أخنوش إلى مقعد رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، عوضا، عن وزير الخارجية والتعاون في حكومة تصريف الأعمال صلاح الدين مزوار.

خيل للمشاهد المغربي، أن إعلان بنكيران اطلاق مشاورته مع أقطاب الأغلبية السابقة (العدالة والتنمية، الأحرار، الحركة الشعبية، التقدم والاشتراكية)، قد يجعل من سيناريو مسلسل تركي بعيداً عن أعينهم. لكن شاءت “أقادر” الإخراج، أن يضاف لما يتابعه المغاربة من مسلسلات “سامحني” و”ثمن الحب”، عنوان آخر اسمه “البلوكاج”. هذا الأخير، زكته تصريحات طائشة، مستمرة، لأمين عام حزب الاستقلال حميد شباط.

في المسلسلات التركية البئيسة التي تسوق للمغاربة، يكون حل العقدة أمام الجميع، متاحاً، تتلقفه أعين المشاهد، يتوقعه ذكاء المغاربة قبل وقوعه بحلقات، وحدهم المشاركون في نسج التمثيلية يكابدون، بفعل المقابل، لإطالة المشاهد، تمطيط دقائق الحلقات ما أمكن. هاجسهم شد الانتباه، وكأنهم يعرفون جيداً أن لا بديل للمغاربة عنهم، مثلهم مثل السياسيين عندنا، الذين يؤمنون بدورهم، أنهم “قدر”، وعلينا التعايش مع تمثيليتهم، وتصديق أن فعلهم هذا رهن إرادتهم، ولمصلحة “فرجة حقيقية” يجب أن نصفق لها في الأخير.

يوم أمس قصد عزيز أخنوش بيت رئيس الحكومة، وبالموازاة، كان عدد جريدة الاتحاد الاشتراكي في الأكشاك، يحمل عنواناً مختبئاً على صدر صفحتها مفاده “موقف بنكيران من ترك رئاسة مجلس النواب لنا دون عرقلة محترم”. واليوم صباحاً، قصد أمين عام الحركة الشعبية امحند لعنصر بيت بنكيران، وخرج لشكر للقول في تصريحات صحفية إنه “اقتُرح على حزبه مساندة الحكومة دون المشاركة فيها وسوف ينقل هذا الموقف إلى أجهزة حزبه”، وهنا دون أن يهاجم بنكيران، أو يفصح عن الجهة التي حقنته بهذا الموقف، ويعرفها الجميع اليوم بين صفوف الجمهور. في السياق ذاته، صرح أمين عام التقدم والاشتراكية نبيل بن عبد الله، أن لقاءات أخنوش ولعنصر ببنكيران كانت إيجابية. فجأة خرج لعنصر، ليقول، إنه “متشبث باشراك حزب الوردة في الحكومة”، ولمح أخنوش إلى أن بنكيران هو من يجب أن يصرح بالجديد تجاه مآل مشاورات تشكيل الحكومة.

تصريح لعنصر كان الأكثر غاربة وسط كل هذا. وكما يفعل أبطال مسلسلات الحب التركية، حين يقفزون أمامنا، دون خجل، بلا أدنى تشكيك في قدرتهم على استغباء ذكاء الجمهور، خيل لنا لعنصر أن زيارته لبنكيران كانت لـ”شرب الشاي معه فقط”، ونتاج “شوق لرجل لم يراه منذ مدة”. وكأن بنكيران عاد بعد سفر طويل من مكان بعيد، وشد الشوق لعنصر، لزيارته، بعد ما زاره أخنوش قبله !

حين صرح بنكيران خلال دورة المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية نهاية الأسبوع المنصرم، أنه مستعد للتخلي عن رئاسة الحكومة “لصالح مصلحة الوطن”، تلقيت اتصالا من زميلة، رئيس تحرير بقناة “بي بي سي” البريطانية، تسأل “لماذا يحدث كل هذا مع حزب يود تشكيل الحكومة بناء على نتائج صناديق الاقتراع ومستعد للتخلي عن رئاستها؟” كما طلبت أن أمدها بكافة التقارير التي تتحدث تحديداً عن أسباب “البلوكاج” ومن يقف خلفه، أقول تحديداً عن هذا الجانب.

مسلسلات الحب التركية المدبلجة إلى لهجتنا الدارجة نشاهدها مع بعضنا، ولا تتسرب تفاهاتها إلى من يحركون الآلة الإعلامية الدولية وما ينتج عنها نحو اتجاه معين، لذلك، يبدو أن مسلسل “الحب في زمن البلوكاج” بدأ يدغدغ أكثر جمهوراً أوسع في الخارج، ويدفعه للتحليل والسؤال، كما وقع مع وزير الخارجية الإسباني ألفونسو داستيس، الذي كان في زيارة رسمية إلى المغرب يوم أمس الاثنين، وطلب رؤية بنكيران، لكن لم يتحقق له ذلك، وقيل له: “لم يشكل الحكومة بعد، وليس من اللائق لقاؤه خلال هذه الفترة”.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي