من سيول إلى "عكاشة"

20/02/2017 - 15:03

في مشهد غير عادي، تم اقتياد رئيس الشركة الكبرى من طرف عناصر الشرطة أمام حشد من المصورين الصحافيين وهتاف الناس تنديدا بالفساد، ليقضي أولى لياليه في السجن. الأمر يتعلق برئيس المجموعة الكورية العملاقة سامسونغ المتهم بتقديم رشاوى للتهرب الضريبي، وهو ما يعتبر هناك خطا أحمر لا يمكن التساهل معه حتى ولو كان الأمر يتعلق بواحد ممن أسسوا المجد الاقتصادي للبلد. هذه هي أسس الديمقراطية، عندما يتساوى المواطنون أمام قاضي نزيه ومستقل بغض النظر عن مناصبهم وأسمائهم، وهي القاعدة التي تجلب الاستثمار والنمو والتنمية. في المغرب، لدينا الكثير مما نتعلمه من هذا النموذج الناجح اقتصاديا ومجتمعيا، لكن بشروط. لا يمكن أن نبلور خطابا مغرقا في التناقضات، ولا يمكن أن نتطلع للتسويق لصورة بلد صاعد، وفي الوقت نفسه لا نتوفر على قضاء مستقل. إذا كان رئيس مجموعة سامسونغ التي تزن 300 مليار دولار، أي ثلاث مرات الناتج الداخلي الخام للمملكة المغربية، يضع نفسه رهن إشارة القضاء ويبعث خطابا للصحافة يعتذر فيه للشعب الكوري، فإننا في المغرب نتوفر على رؤساء شركات غادروا أسوار سجن « عكاشة »، بعد ثبوت تهم ثقيلة بالاختلاس في حقهم لأسباب « إنسانية »، لكنهم لم يعودوا لزنزاناتهم! أكثر من ذلك، صاروا يمارسون الأعمال ويدخلون في مناقصات لصفقات عمومية ويفوزون بها، وفي الآن ذاته لا يلبون دعوات قاضي التحقيق للامتثال أمامه. هذا هو الفرق بيننا وبينهم، بين إرادتنا السياسية وحكامتهم. عندما سنتوفر على قاض يحكم بضميره وينسى هاتفه عند الاقتضاء، سيكون بإمكاننا أن نتطلع لبناء أسس دولة تتساوى فيها الحقوق والواجبات وتشكل ملاذا للطمأنينة للمواطنين و للمستثمرين. عندما اجتمع مؤخراً مؤتمر الدول المساعدة للنموذج التونسي، قال رئيس الحكومة يوسف الشاهد: « وعدتمونا بالشيء الكثير ولم نرَ إلا النزر القليل. » فرد عليه ممثل البنك الدولي قائلا: « نموذجكم جيد وقد يكون مثالا في المنطقة، وعندما ستتخلصون من بعض الممارسات السلطوية وتنجحون في  تثبيت قضاء نزيه ومستقل، إذاك سيكون بإمكان تونس أن تحقق المعجزة وتقود المنطقة اقتصاديا وماليا! ».

واهمٌ من يعتقد أن أي نموذج ديمقراطي ناجح يمكن أن يُبنى في إطار سلطة قضائية متحكم فيها أو خاضعة لإصلاحات الواجهة، ومن لم يفهم ذلك، فهو يغذي الهذر الزماني ويؤجل الطفرة المرتقبة.

شارك المقال