يسلط هذا المقال الضوء على تطور حزبي النهضة في تونس والعدالة والتنمية بالمغرب، من حزبين كانا يتبنيان الأسلمة وإشاعة الخطاب الديني عبر التوسل بالعمل السياسي، إلى حزبين يعتنقان بهدوء العلمانية، ويدعوان علانية إلى فصل السياسة عن الدين، محققين شرعية جديدة داخل المجال السياسي، لينبه إلى ضرورة تشجيع مسار الإدماج السياسي للحركات الإسلامية بالشرق الأوسط عوض إقصائها ووصمها، في ظل ما يتردد عن اعتزام إدارة ترامب تصنيف جماعة «الإخوان المسلمين» جماعة إرهابية.
تستعد إدارة ترامب، حسب ما يتردد، إلى إعلان الإخوان المسلمين تنظيما أجنبيا إرهابيا. خطوة مماثلة تعتبر خطأ كبيرا، فتصنيف الجماعة منظمة إرهابية سيعني القفز على الموقف الرافض للعنف الذي يتمسك به مجموعة من قادة الإخوان، كما سيضعف أيضا قدرتها على التطور البراغماتي.
فتجربة أحزاب إسلامية أخرى في المنطقة، مثل حزب حركة النهضة في تونس وحزب العدالة والتنمية في المغرب، تبرز أهمية الإدماج السياسي باعتباره الطريق نحو تحقيق علمنة، وليس فقط اعتدال، التنظيمات الإسلامية.
فمنذ توليهما السلطة نهاية 2011، أجرى حزبا النهضة والعدالة والتنمية تحولا ملحوظا في أرضيتيهما الإيديولوجيتين. فهويتهما الإسلامية ذابت بشكل كبير مع مرور الوقت، لتصير أكثر استعدادا لإجراء توافقات بخصوص قضايا مثيرة للجدل، مثل التعدد الثقافي وحرية التعبير. فبعدما ولدا حزبين إسلاميين، صارا اليوم يضعان مسافة إزاء تحديدات من قبيل «إسلامي» و«إسلام سياسي».
فالبراغماتية التي تعتبر جديدة نسبيا داخل الحزبين تؤكد أن بمقدور الحركات الإسلامية تكييف إيديولوجياتها حسب السياقات المختلفة التي تشتغل في ظلها. في حالتي النهضة والعدالة والتنمية، فقد أدت المساحة التي توفرّا عليها للمشاركة في المشهد السياسي الوطني كحزبين قانونيين، ليس فقط إلى اعتدالهما، وإنما أيضا إلى علمنتهما.
فالأمر يتعدى الاعتدال بمعناه البسيط الذي يحيل على فكرة رفض العنف والقبول بالمشاركة السياسية. جماعة الإخوان المسلمين، إلى غاية الانقلاب العسكري في 2013، كانت تطابق مفهوم الجماعة المعتدلة، لكن حركة النهضة وحزب المصباح يعدان حزبين معتدلين وعلمانيين في الآن ذاته. فالحديث عن «العلمنة» يبدأ حين يتخلى حزب إسلامي عن خطابه الداعي إلى الأسلمة، ويقرر الفصل بين أنشطته الدعوية والسياسية، ويتجه إلى المشاركة العلنية في النشاط السياسي بناء على حسابات منطقية عوض أهداف دينية.
وقد بدأ مسار «علمنة» الإسلاميين في المغرب في أعقاب هجمات الدار البيضاء الإرهابية في 2003، التي جعلت الإسلاميين يتعرضون لضغط شديد من النظام، ويُتهمون من طرف أحزاب علمانية أخرى بأنهم مسؤولون أخلاقيا عن تلك الهجمات. حينها، كان حزب العدالة والتنمية قريبا من الحل نظرا إلى الاتهامات التي وجهت إليه بسبب خلطه بين السياسة والدين، والذي اعتبر خصومه أنه (أي الخلط) يقدم مناخا «ملائما» يغذي «الأصولية الدينية».
لمواجهة تلك الضغوطات، قام حزب العدالة والتنمية بحركة استراتيجية تمثلت في فصل الحزب عن الحركة الدينية التي أسسته، أي حركة التوحيد والإصلاح. هذا الفصل مثّل تأقلما استراتيجيا مع الأوضاع، وكان الهدف منه السماح للعدالة والتنمية بالمحافظة على الاعتراف القانوني به كحزب.
رغم ذلك، لم يعنِ الفصل انفصالا تاما بين الحركة والحزب، وإنما تقسيما للمهام خص ثلاثة قطاعات: النضال والخطابات والزعامة. وضع الحزب والحركة اتفاقا تكامليا صار الحزب بموجبه مكلفا بالنضال السياسي، تاركا للحركة تدبير أمر الدعوة والتربية.
عشر سنوات بعد ذلك، لقيت فكرة الفصل بين الحزب والحركة الدينية إعجاب حزب حركة النهضة في تونس. في مارس 2015، دعت الحركة قادة من حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية إلى مناقشة النموذج المغربي في الفصل بين الدعوي والسياسي، وأشهرا قليلة بعدها تبنت الفصل نفسه للمهام.
وفي الحالتين، كان يتوخى أن تمثل هذه الخطوة اعتدالا تكتيكيا، لكنها أصبحت تحولا إيديولوجيا. فبعد فصل الدعوي عن السياسي، غيّر السياسيون الإسلاميون في الحزبين الأرضيات الإيديولوجية لحزبيهم لتصير أكثر اعتدالا وتماشيا مع الخط العام، من أجل الاستجابة للتغيرات المجتمعية (من قبيل تحرير الاقتصاد والنمو الاقتصادي والخسارة الانتخابية وتغيّر اتجاهات الناخبين)، ولحشد مزيد من السند الشعبي. كما أن استمرار الحزبين في السلطة منذ 2012 حفز بشكل أكبر الاتجاه نحو العلمنة، فحاجة الحزبين إلى دعم حلفاء علمانيين للبقاء في الحكومة، دفعتهما إلى ترك مسافة أكبر مع جذورهما الإسلامية. وقد دعا كلا الحزبين اليوم بشكل علني إلى الفصل بين الدين والسياسة.
إننا أمام تحول كبير. سنة 1997، كانت «الأسلمة» هي محور البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية، وقبل دخول الحزب للحكومة، كان يلقي بدلوه مرات عديدة في قضايا اجتماعية، مثل انتقاده المهرجانات الموسيقية لاعتباره أنها تمثل فسادا أخلاقيا ووسيلة لإبعاد الشباب عن هويتهم الإسلامية. لكن، في كرسي السلطة، ابتعد الحزب عن المعارك الإيديولوجية، فمثلا، مرّ قرار اتخذته وزارة الداخلية في يناير الماضي بمنع النقاب دون تعليق من طرف الحزب. أحد قادة الحزب قال إن هذا القرار كان يهدف إلى «استفزاز التشكيلة الحكومية بافتعال تناقض إيديولوجي مع شركائنا العلمانيين، وهذا هو السبب الذي دفعنا إلى عدم الرد على هذا الاستفزاز».
حركة النهضة خلصت بدورها إلى أن من مصلحتها تجنب الصراعات الإيديولوجية. خلال مؤتمر الحركة الوطني، الذي عقد صيف العام الماضي، عبر زعيم الحركة، راشد الغنوشي، عن حرصه على «ترك الدين بعيدا عن النضال السياسي»، داعيا إلى «الحياد التام (بين ما هو ديني وما هو سياسي)».
تطور حزبي حركة النهضة والعدالة والتنمية يقدم دروسا مهمة على إدارة ترامب أن تأخذها بعين الاعتبار في مسعاها لمحاربة التطرف. وبالرغم من أن جماعة الإخوان المسلمين لم تتصرف بنفس المستوى من التأقلم عندما تولت السلطة، فقد أضعف إقصاؤها من الوسط السياسي بعد الإطاحة بالرئيس مرسي في 2013 العناصر ذات التوجه البراغماتي داخلها. ولن يؤدي تصنيفها جماعة إرهابية إلا إلى إبعادها أكثر عن الممارسة السياسية المتعارف عليها.
*محمد مصباح – مقال منشور بمعهد شاتام هاوس/ترجمة « اليوم 24 »