ماذا سنصنع بـ«دواعشنا»؟

23 مارس 2017 - 17:00

في خضم انشغال الرأي العام والنخب السياسية بالمسار المعقد لتشكيل الحكومة، وألاعيب الأحزاب للالتفاف على نتائج الاقتراع، وإعادة تكييفها لتأخذ شكلا آخر يصب في طاحونة «التراجع عن الخيار الديمقراطي»، صدر تقرير مهم عن المركز الدولي لمكافحة الإرهاب، يرسم السيناريوهات المحتملة التي سيتخذها مقاتلو داعش بعد انهيار مركز الخلافة المزعومة في مدينة الموصل، وتراجع دفاعات البغدادي، تحت تأثير الحرب العالمية عليه، إلى رقعة ضيقة في العراق وسوريا، حيث كان قبل سنتين يسيطر على مساحة تقرب من مساحة بريطانيا، بعدما حطم الحدود بين العراق وسوريا، ومد طريقا مفتوحا بين «عاصمة الخلافة» في الموصل وولاية الرقة في الشام… وأصبح يبشر بتهشيم الحدود بين الدول العربية، وسك عملة جديدة موحدة، وعقد البيعة لإمام واحد، وحمل راية الجهاد لقتال كل الكفار، في محاولة للرجوع بالعالم خمسة قرون إلى الوراء، ودون الانتباه إلى أن الأحلام لا تتحقق بمجرد التفكير فيها، وأنها أقرب إلى الأوهام منها إلى شيء آخر.

بلادنا ليس بعيدة عن هذه الأزمة الدولية الكبيرة، التي تورط فيها الكبار والصغار، لأن المغرب يسهم بأكثر من 2500 مقاتل هاجروا من المغرب وأوروبا للقتال تحت راية البغدادي، وأمضوا مع عائلاتهم أكثر من سنتين يتدربون، ويتثقفون، ويقتلون، ويصنعون المتفجرات، ويلتقطون الصور، ويمنون النفس بخلافة تحكم العالم كما كان أجدادهم من قبل.

تقرير المركز الدولي لمكافحة الإرهاب وضع ثلاثة مسارات أو خيارات ستحكم مصير بقايا تنظيم داعش بعد انهياره القريب: إما التخفي وسط مدن وقرى الشام، وإما الهجرة نحو بؤر توتر أخرى لمواصلة «الجهاد»، أو العودة إلى بلدانهم الأصلية.

التقرير اعتبر أن قادة التنظيم ووجوهه البارزة لا مفر لها من الخيار الأول، أي التخفي في قرى سوريا والعراق وانتظار الأسوأ، أي القتل أو السجن في أفضل الأحوال، الذي سيعقبه الإعدام لا محالة. أما المجموعة ثانية، فأمامها خيار إعلان الولاء لتنظيمات جهادية أخرى، ومن ثم الذوبان في تنظيمات جديدة، ومواصلة القتال، أما الخيار الثالث، أي العودة إلى البلدان الأصلية، فيبقى، في نظر التقرير، أكثر الخيارات إشكالية ومدعاة للقلق.

بقايا تنظيم القاعدة ليسوا كتلة واحدة متجانسة، بل هم ثلاث فئات على الأقل حسب المركز البحثي المذكور: الأولى هم «المغرر بهم»، والثانية من تخلوا عن الوسيلة لا الغاية، أي الذين لا تهمهم داعش أو القاعدة أو النصرة، بل يهمهم «الجهاد»، أما الفئة الثالثة فهي العناصر المحترفة التي اتخذت من القتال باسم الرب حرفة ومشروع حياة.

وضمن هذا التقسيم، اعتبر التقرير أن مصدر الخطر الأكبر في المستقبل سيأتي من الفئة الثالثة داخل العائدين، أي العناصر العملية والمحترفة، وهي تلك التي ستبحث، فور وصولها إلى بلدانها أو إلى السجن أو إلى مناطق قريبة من بلدانها، عن تشكيل خلايا إرهابية، وإيقاظ أخرى نائمة، وتنفيذ هجمات وأعمال إرهابية بتنسيق مع القادة المتبقين على قيد الحياة للتنظيم في سوريا أو العراق أو ليبيا أو مناطق أخرى.

التقرير يوصي بالأخذ بيد «المغرر بهم»، وتوفير علاج نفسي ومواكبة اجتماعية لحالاتهم واحدة بواحدة، وعدم اللجوء إلى سجنهم أو تعذيبهم، لأن ذلك سينقلهم من الفئة الأولى إلى الفئة الثانية أو الثالثة. في المقابل، يرى التقرير أن من غادروا التنظيم دون أن تغادر أذهانهم فكرة الخلافة، سيظلون على استعداد للانخراط في أي مشروع جديد يحمل لواءها، وهنا لا حل إلا بالتقليل من عدد الدول الفاشلة في الشرق الأوسط وإفريقيا، ودعم سيطرة الدولة على حدودها، والتعاون الأمني والاستخباراتي لضبط حركة السلاح وتنقل المقاتلين الجوالين، ووضع خريطة طريق لحل جل الأزمات الدولية التي تنعش خلايا النحل الإرهابية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

بلادنا لا تعرف هذا النوع من النقاش، للأسف، ومراكزها القليلة لا تملك خبرة الدخول إلى هذا النوع من الموضوعات، إلى درجة سمعنا قبل أسابيع عبد الحق الخيام، رئيس مكتب الأبحاث القضائية، يلوم المثقفين والمفكرين والباحثين على عدم انخراطهم في مكافحة الإرهاب، وتفكيك إيديولوجيته، التي لا يمكن أن تقوم بها الأجهزة الأمنية التي تتحرك بعديا، وليس قبليا، لمحاصرة الظاهرة الإرهابية. جل الخطاب السياسي والإعلامي، وحتى البحثي، المنتشر في المغرب يسارع إلى الحكم قبل الفهم، ويعيد صدى تقارير الأجهزة الأمنية، ولهذا لم يطور عدة مفاهيمية، ولا أدوات منهجية، ولا حتى قاعدة معلومات دقيقة تساعد على تتبع الظاهرة وتفكيك خطابها وإيديولوجيتها، لهذا، لا بد من إنشاء مرصد وطني لدراسة الإرهاب يكون مستقلا عن الدولة، ويلعب دور مطبخ للتفكير والتحليل واقتراح السياسات العمومية التي تستطيع محاصرة الظاهرة.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المعلم منذ 5 سنوات

الدواعش أو قراصنة البر أو الكلاب المسعورة ارتكبوا أبشع الجرائم في حق أبرياء لاذنب لهم ولازالت إلى اليوم تكشف المقابر الجماعية في سوريا والعراق.يجب على سحب اجنسية من كل داعشي ينتمي إلى المغرب.هؤلاء المجرمون ألفوا رؤية الدماء ورؤية الأشلاء والمتفجرات فلا يؤتمن جانبهم لاهم منا ولا نحن منهم يجب منع أي داعشي من العودة إلى المغرب وإذا ماأصر على العودة يجب محاكمته وإنزال أشد العقاب به حتى يكون عبرة لكل من تسول له نفسه إزهاق أرواح الأبرياء.

محمد الموحد منذ 5 سنوات

إن كان المرصد الوطني لدراسة الإرهاب الذي تدعو إلى إنشائه سيكون مستقلا عن الدولة فستتحكم فيه جهة أخرى لتصفية حساباتها مع خصومها، وإن كان تابعا للدولة فستستغله من أجل تمرير مخططاتها القمعية من خلال نشر معلومات مغلوطة حول تهديدات وهمية مع التبجح بمنجزات كاذبة

alhaaiche منذ 5 سنوات

Hna Baraka Alina Ghir al Gamila Koulchi baghi al Gamila, Ou al manssib Ou tbesniss maa ifriquia et l'argent de la caisse de compensation

ابراهيم أقنسوس منذ 5 سنوات

بالفعل ،لايمكن التصدي لظاهرة ما دون فهمها ، ودون امتلاك القدرة ، على تفكيك عناصرها ، وإرجاع كل خيط إلى أصله ، ومبتداه . إلى حدود الساعة ، المقاربة الأمنية هي المعتمدة ، والناجعة في بلادنا . المقاربات الأخرى لاتمتلك نفس القوة ، والنجاعة ، بل ويشوبها الكثير من التضارب ، وعدم الوضوح ، وهذا وضع غير صحي ، ذلك أن الإرهاب ينشأ فى الرؤوس، وفي الأفئدة ، ويبقى هناك زمنا ليس باليسير ، تغذيه عوامل عدة ، أسرية ، بيئية ، اجتماعية ، شخصية ، قبل أن ينتقل إلى الفعل ، فماذا يحدث قبل حدوث الإرهاب ، هذا هو السؤال ، الذي ينطلق معه البحث في الموضوع ، وتصاغ من خلاله الأجوبة الأقرب إلى الحقيقة . فكرة المرصد الوطني لدراسة الإرهاب ، فكرة جيدة ، تستحق الأهتمام . وشكرا لكم .

sana منذ 5 سنوات

وماذا نصنع بزنادقتنا وعلمانيينا المتطرفون

M.KACEMI منذ 5 سنوات

"ماذا سنصنع بـ«دواعشنا»؟" سنعطيهم المبرر ونزيد في أعدادهم ، إن نحن استغنينا عن حالة الإستثناء المغربي في مجال دمقرطة وتخليق الحياة السياسية