مسمار في الحكومة خير من مطرقة في المعارضة

29 مارس 2017 - 15:42

مسمار صغير ونحيل لا يمكن “تعليق” أي آمال عريضة عليه، خير من مطرقة قوية تحارب الطواحين الهوائية في المعارضة. يبدو لي أن حزب العدالة والتنمية قرر أن يكون هذا المسمار الصغير. قرر أن يبقى صغيرا في ظل الحكومة على أن يكون كبيرا في حرّ المعارضة. تخيلوا أن الحزب مدّد ولاية عبدالإله بنكيران، على رأس أمانته العامة لعام كامل، طمعا في أن تؤول له لا لغيره رئاسة الحكومة. والآن يُحرق الرصيد الرمزي للرجل في جو من “الأخوة” و”الألفة” و”المحبة الصادقة” وتقدير “ضرورات المرحلة” بهدوء وفي زمن قياسي.

الأمانة العامة ذاتها التي ساندت بنكيران في شروطه، أو “اشتراطاته” على ما أصبح يبدو!، هي ذاتها التي تساند سعد الدين العثماني في سياسة الباب المفتوح والأمر المطاع اليوم. لو انتقدتَ اجتهاد بنكيران حين كان يدير أمر المشاورات لدافع عنه قياديو الحزب في تدوينات شرسة بالقول، إن بنكيران لا يصدر عن نفسه وإنه مفوض من الأمانة العامة، والحزب حزب مؤسسات وليس حزب أفراد. والآن، لو انتقدت هذا الدعم اللامشروط لرئيس الحكومة المعين الجديد، لكان الجواب لكل اجتهاده ورؤيته. “العثماني عرض رؤيته والأمانة العامة صادقت عليها”. المحذوف في الجملة: رؤيته التي تقبل بكل ما سبق وصادقت على نقيضها الأمانة العامة ذاتها…

وبالتوازي مع تنفيذ هذه الحركة الأكروباتية، تجتهد بعض قيادات الحزب في شحذ الهمم ضد “كتائب المكر”، ناهلة بقوة من “بروباغاندا” الصمود لتذويب علامات الاستفهام الكبرى، التي نبتت فوق رؤوس كثيرة، في نهر خطابي لا تعرف منبعه من مصبه. نهر تتحرك فوقه شعارات حماسية الآن.. إلى حين تطرّز القيادات أجوبة سهلة الهضم.

يقول محمد يتيم، في تدوينة نقلها عنه الموقع الإلكتروني للحزب، إن “الذين يراهنون على تراجع شعبية (الحزب) الانتخابية، من حقهم أن يتبنوا هذا التحليل (…)، ففي الأصل لا يمكن لحزب أن يبقى إلى الأبد في التسيير، وإذا قرر الشعب أن يعاقب العدالة والتنمية فله ذلك وسنرضى بحكمه وسنعترف بأننا أسأنا التقدير ونبدأ جولة مرحلة جديدة نصحح فيها توجهنا”. بكلمات أخرى، يقول القيادي بالحزب اتركوا الحكم على اختياراتنا للشعب، وبالضبط للمصوّتين منه، وإن الحزب لا يهتم لبقائه في السلطة الحكومية من خروجه منها، على شرط أن تقرر الصناديق ذلك.

ومادامت الأصوات في الانتخابات الأخيرة لم تقرر إرسال الحزب للمعارضة فلن يذهب. وإذا لم يكن بوسعه قيادة الإصلاحات المنشودة (في المجال الديمقراطي ومجال محاربة الريع والفساد)، فإنه لا يُكَلّف إلا نفسه. أي يكفي أن تظل أياد الوزراء الستة أو السبعة الذين سيشاركون باسمه في الحكومة نظيفة. إذا كان هذا أقصى ما هو ممكن، فالحزب لا يمانع.

إذا صح هذا التفسير الأخير، فيجب البحث عن تأثير هذه المقاربة الحزبية في العمل السياسي. بمعنى: هل استعداد حزب ما للمشاركة في أي ائتلاف حكومي، على تنافر مكوناته وتباين وجهاته ــ وبأي ثمن رمزي يلحق سمعته، وعلى ضعف سلطاته الفعلية داخله ـ مقابل عدم “سرقة” فوزه الانتخابي، هل هذه المقاربة “المسمارية” تفسد العمل السياسي أم تصلحه؟ تُشجع عليه أم تُنفّر منه؟ تنسجم مع محاربة الفساد أم تبرره؟ تُطبِّع مع أعطاب العمل السياسي في البلدان المتخلفة من هجانة وعدم وفاء بالوعود وتقلب حربائي في المواقف، أم تؤسس لمقاربة دامجة تعاونية؟ وفي الأخير، وفي الحقيقة، هل تخدم الحزب أم تخدم الشعب؟

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.