أثار وثائقي « زواج الوقت » الذي بثته القناة الثانية قبل أيام قليلة موجة استياء وردود فعل غاضبة داخل شرائح واسعة من الرأي العام. الوثائقي لم يخفي منذ البدء، طبيعة النقاش الذي يحاول فتحه، أي، تقريبا، هل حان الوقت لإسقاط الفصل 490 من القانون الجنائي الذي يحرم الجنس خارج الزواج أم لا؟ الوثائقي تابعَ، أساسا، أربع قصص زواج تعيش حبها وجنسيتها وفق اختياراتها وقناعاتها.
في الدقائق العشر الأخيرة من الوثائقي، يبلغ السرد ذروته لتنزل الرسالة من أفواه جماعة من الشباب والشابات التي ستندد بقوة بمحاصرة أجهزة الأمن « للقبلات » البريئة، ووقوف المجتمع ببوليسه وثقافته المتحجرة مع هذه المحاصرة التي تمنع الحب من الانتقال حرا طليقا إلى مثواه الأخير..الفراش. الوثائقي انتهى على وقع كلمات الفتيات والفتيان القوية ضدا في مجتمع يعادي « الحرية » الجنسية، بعدما بدأ بصورة سوداء السبب فيها الفصل 490 من القانون الجنائي.
إنه الفصل الذي ينص على أن » كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة زوجية تكون جريمة فساد ويُعاقب عليها بالحبس من شهر إلى سنة « . الفصل الذي يرى فيه الشباب في آخر أنفاس الوثائقي أنه غير معقول، غير معقول اعتقال إنسان بتهمة قُبلة..قُبلة أيها العالم !
في هذا المقال، سأبتعد عن فتح نقاش أو تقديم رأي حول الحرية الجنسية ومطلب إسقاط الفصل المذكور وانعكاساته (كيفما كانت)، بقدر ما سأهتم بالمعالجة الإعلامية للقناة الثانية وشريكها في الإنتاج للموضوع.
في نظري، حاول الوثائقي الدفاع عن رسالة أساسية وشريحة مخصوصة يتقاسم مُعدّوه ربما آراءها، بخلطها برسائل مختلفة وقصص متنوعة، الهدف منها تلطيف أجواء المشاهدة، وطلاء السرد ببعض الألوان والأصوات التي قد يجد فيها المتلقي نفسه، ممزوجة بتلك التي يُحتمل أنه « يعاديها ».
لقطة من هنا، تعقبها لقطة من هناك، حديث يَطرب لسماعه، وحديث يُفقده أعصابه، والهدف أن تكون القصص التي يطرب الرأي العام لسماعها، أو على الأقل لا يجدها مدعاة لأي وجه من أوجه الاستنكار لها، قنطرة تمر فوقها تلك التي يرفضها ويعادي اختياراتها. دليلي في ذلك، أن الوثائقي كان صريحا منذ البدء في مسعاه لفتح نقاش حول مسألة فك قيد القانون عن الجنس، مؤكدا في دقائقه الأخيرة، كما أشرتُ إلى ذلك فوقه، وجود خيط ناظم بين بدايته ونهايته.
هذه « الخدعة الفنية » لم تنطلي على الناس، وردود الفعل الغاضبة تؤكد إخفاق الوثائقي في فتح النقاش « الهادئ » الذي أراد فتحه، وأن العكس هو الذي حصل. لماذا؟
حين اختار الوثائقي تمثيل الصوّت الداعي لإسقاط الفصل 490، لم يختر إلا تلك الصورة النمطية ذاتها التي تؤثر وصم وقدح الآخر وعصر كل وجهات النظر والآراء المخالفة في كلمات « الثقافة » و »المجتمع » و »بنادم »، ثم وسم الجميع ب »التخلف »، تقول ذلك وهي تتقاسم أعقاب السجائر وتطلق نظريات عن تخلف المجتمع مع كل سَحْبة دخان.
تتحدث رغم أن المجتمع لا يتابع سباقات النكاح الحر بين الأحراش والخيام والصحاري الذي تسلكه هذه الفئة هربا من أعين الرقباء، كما تقول بلسانها. كاميرا القناة الثانية وشركة الإنتاج هي التي تعطي هذا الانطباع، أو على الأقل هي من تخلق هذا الالتباس. وبهذا الالتباس، تختار أن يكون النقاش صداميا، وأن يكون الإعلام باعثا على الصدام في تدبير النقاشات، عوض الحوارات الهادئة.
هناك أيضا مقاطع أخرى تطرح علامات استفهام مهمة حول مهنيتها والجدوى منها ومدى احترامها لآداب المهنة، خاصة أن أبطالها تحدثوا بأريحية كبيرة، كبيرة جدا، وبجرأة غير متوقعة في مجتمع محافظ، لو كان المغاربة يتحدثون بمثلها لما كان هناك من داعي للاستغراب أو السخط أصلا.
مِثل ذلك الشاب الذي قدّم نفسه تقريبا على أنه « مؤنس الحزانى والحيارى »، أو « الميمات » بتعبيره. وهو لفظ يغلب استعماله، حين يرد جمعاً لمفردة « ميمة » في بعض أوساط الشباب، للدلالة على ربط علاقة جنسية مع امرأة تتقدمهم في السن، أو ذات خبرة جنسية. عموما الشاب خرج في فيديو يقول إنه أدّى دورا وتلقى عليه ألف درهم. والشركة المنتجة خرجت تقول إن الأمر غير صحيح. وطريقة حديثه مع صديقته في اللقطة المسجلة بالمقهى، تجعل الحسم صعبا في تلقائية المشهد، مثلها مثل لقطة أخرى، تقول فيها سيدة إنها لا تمانع في الذهاب في علاقة تجمعها مع أي رجل حد الفراش. ليس وجه الصعوبة أن ما تقوله السيدة أو الشاب جديد أو غير مسبوق في الواقع، وجه الصعوبة يكمن في إقناع المغاربة بتصديق تلقائية من يتحدث به بكل أريحية واعتزاز في وجه الكاميرا، ومن خلالها في وجه ملايين المغاربة.
بكلمات أخرى، الأصوات الغاضبة من الوثائقي، ومن كثير من سرديّات « دوزيم »، لا تقول إن ما ورد في الوثائقي غير صحيح و »نحن شعب من الملائكة »، وإنما تقول دعونا نفكر بالأمر برويّة ودون تعسف أو عنف رمزي وإعلامي. نحن شعب يمارس الجنس خارج إطار الزواج، de facto، صحيح، لكن هذا المجتمع، على واقعه الذي يخترقه الجنس بقوة، لم يحسم في سؤال: هل كونه يمارس أمرا يعتبره دينه أو عرفه أو محض تربيته الأسرية المحافظة غير صحيح، يجعل ذلك الأمر صحيحا. هل معيار الصحة هو الذيوع والشيوع؟ أي هل ممارسة المغاربة للجنس، المسمى في النص الديني زنى، وفي القانون جريمة فساد، يجعله حلالا؟
وإلى الآن الصوت الراجح يقول إن المجتمع يرى أن الممارسات التي تخترقه لا تكسب « الجنس غير القانوني » أو « الزنى »، الشرعية الأخلاقية ، ولا تحوّله إلى مدعاة للافتخار والاعتزاز. لذا، حين يرى المُشاهد من يحتفي بذلك في شاشة التلفاز، لا يُصدّقه. ولا يرى أنه يُعبّر عنه، ويشعر أن الكاميرا غير بريئة وأنها هي من تُحفز ذلك الشخص على الاحتفاء بأمر يندر الاحتفاء به من طرف المغاربة. يرى أن التلفاز ينقل صورة طبقة مخصوصة من الناس.
صحيح أن المجتمع المغربي يعاني من مشاكل في نموذجه الجنسي – العاطفي، وانفصام قوي في تصوّراته الأخلاقية، ويحمل كثيرا من المتناقضات، لكنه ليس استثناء في هذا الأمر من مجتمعات العالم، وحالة عدم الحسم التي يعيشها أو التردد لا تعني بالضرورة أنه في أسوء حالاته.
حالات الزوفيليا ( اشتهاء – أو ممارسة الجنس مع الحيوانات) تتكاثر في أوروبا (سويسرا خصوصا) وبعض الولايات الأمريكية، إلى درجة بدأ يتندر البعض من يأتي يوم تنظم مظاهرات تشارك فيها القطط والكلاب وقطعان الماعز إلى جانب « الزوفيليين »، منددة بال »زوفيليوفوبيا »، أو رهاب الشذوذ الجنسي الحيواني !
مؤخرا كشف موقع إباحي شهير مقره لندن عن تفضيلات زوّاره الإباحية، فظهر أن الأمريكيين ، الذين يزور الموقع 45 مليون شخص منهم بمتوسط ساعة من المشاهدة في اليوم، يفضلون مشاهدة الفيديوهات الإباحية التي تظهر صديقا يمارس الجنس مع أم صديقه. وقد أثار هذا المعطى نقاشا كبيرا في أمريكا، واعتبرت صحف البلاد أنها فضيحة وأن أمريكا بحاجة إلى إعادة النظر في أخلاقها !
وعموما، الفصل 490 القانون الجنائي الذي يُضخَّم أمره الآن لا يُحترم في المغرب. أقصى ما يفعله هو أنه « يشوّش » على من يخرقونه. ورغم ذلك قد تجد من بين هؤلاء الذين يخرقونه ، ليل نهار، من لا يوافقون على سحبه ! الأمر فعلا مُعقّد. وقد يُستعمل أحيانا ذريعة لاستهداف بعض الأصوات المعارضة.
أساند فتح نقاش حول القانون الجنائي برمته، بما يعلي من حرية المغربي في مختلف مجالات الحياة، ويمده بأكبر قدر من ضمانات الإنصاف والحماية في بلده، ويضمن احترام حياته الخاصة، وضمن هذا النقاش الفصل 490 من القانون الجنائي.