لا يملك المرء خيارات كثيرة مع "السارين"..

12 أبريل 2017 - 16:09

حين يجتمع الزعماء الذين يقتاتون من عائدات الخراب العربي، سواء من العرب أنفسهم أو غيرهم، في مؤتمر لـ”معالجة الأزمة” أو “استئناف المفاوضات”، بقصر مؤتمرات ضخم وفسيح ومُكيّف، جدرانه مليئة بالزخارف واللوحات الفنية، وأسواره محاطة بحراسة أمنية مشددة، يشارك فيها رجال البوليس والشرطة العسكرية والمخابرات وفرق القناصة، مع طائرات تحلق فوق القصر، ومضادات صواريخ تنتصب غير بعيد عنه، وأجهزة استشعار، (حينها) تكون الخيارات المتاحة لـ”معالجة الأزمة” كثيرة، أخفها أخذ مهلة للتفكير والتداول، وأوسطها التأكيد على الرغبة في مواصلة المشاورات، وأقصاها الانسحاب..

لكن حين يتحوّل الهواء الذي يستنشقه الإنسان إلى غاز سام، لا يملك ساعتها خيارات كثيرة. حتى النظر في وجه من يحب يصبح مؤلما. أكثر إيلاما من الغاز القاتل، أكثر من الموت. تنظر في وجه من عمروا حياتك ونثروا أسباب الفرح فيها وبينكما هواء مُسمم ينذر بفراق وشيك. لا تعرف من سيسقط أولا، من سيكون نصيبه الرحيل ومن سيكون نصيبه الألم. النقطة الفاصلة بين البقاء والفناء، شهقات وأنفاس من غاز “السارين”.

فقد أب ببلدة خان شيخون السورية، التي  تعرضت لهجوم بهذا الغاز السام، أزيد من 20 فردا من عائلته. “كيف يمكن للإنسان أن يعبر عن حزنه حين تكون الخسارة بهذا الحجم؟”، هكذا تساءل صحافي بجريدة “ذي غارديان” وهو يتفحص وجه الأب المصدوم، وباقي الوجوه المكلومة لمن فقدوا صغارهم وأزواجهم وأشقاءهم في المجزرة الكيميائية.

هل بشار الأسد وحلفاؤه الروس هم المسؤولون؟ بصفة مباشرة، تنفيذية، يُرجح بقوة أن يكون الأمر كذلك. أما بصفة غير مباشرة فأول مسؤول هو الاستبداد والتسلط العربي غير المسبوق في حجمه في هذا العصر. السلطة في التصوّر العربي ترتبط بالتملك والتفرّد والاستئثار، حيث لا مكان للمبادئ التي تنص على تقاسمها وفصلها وتوزيعها وممارسة الرقابة عليها. وهذا التصوّر هو سبب الهشاشة العربية، وقابلية بلدان المنطقة للانهيار مع أصغر هبة ريح. إذا كان الحاكم المستبد يستأثر بالسلطة ويفتح ريعها أمام طبقة مخصوصة تدافع عن استمرار احتكاره لها، كاتما صوت الملايين بالحديد والنار، فلا غرو أن تخفق الدولة على عهده وتتفكك أمام أول اختبار. من سيدافع عن مشروع وطني أو شرعية زعيم يحكمه بالتضليل والاعتقال؟ في الأخير الكل يخسر، حتى الحاكم يتحول من زعيم مفدّى إلى نذل صغير مستعد لتقديم أي مقابل لمن يحميه من القتل رميا بالرصاص في ساحة عمومية..

الكل يتذكر كيف فرّ الآلاف من جنود صدّام حسين من ساحات المعارك في 2003. لم يقاتلوا أصلا،  لم يطلقوا أي رصاصة. هربوا بجلودهم. قادة كبار في الجيش نسقوا مع الجيش الأمريكي وهم يفكرون في مستقبلهم. حصل ذلك، رغم الحديث الطويل والعريض عن “عقيدة” الجيش العراقي الفولاذية. الاستبداد يُعجّل بانهيارك، مهما نشرت من أوهام و”عقائد” عسكرية وإعلامية.

لو قبل بشار الأسد بتقاسم سلطاته وانخرط بجدية في مسار دمقرطة البلد، لما صار قائدا من ورق، أو رئيسا منتدبا لدى الرئيس الروسي على محافظات محدودة بدولة سوريا. أي مذلة وأي إهانة؟ مطلوب للقتل من طرف الفصائل التي تحارب على الأرض، وللمحاكمة من طرف الهيآت الحقوقية، وللسخرة والاسترقاق من طرف روسيا وإيران، ومُعرض على الدوام لخطر الاغتيال. رئيس لاجئ تقريبا.

هذا لا يعني أن القوى الدولية والإقليمية المؤثرة في النزاع السوري غير مسؤولة عن المآسي الإنسانية المتلاحقة. تتحمل هذه القوى بشكل متساو مع الأسد المسؤولية. فلا أحد منها أو من الفصائل التي تدعمها ينشغل فعليّا بحقن الدماء. أو إن سعى إلى ذلك، سعى إلى تحقيقه مع الحصول على السلطة. وهذا مطلب مستحيل، لأن سبب الدم المسفوك هو السلطة ذاتها.

عموما، المشهد قاتم جدا في سوريا، وحين يستنشق الإنسان “السارين” لا تبقى أمامه خيارات كثيرة. رحمة الله على ضحايا خان شيخون، وكافة ضحايا الغدر من كل بلد وعرق ولون ودين.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مواطن عربي منذ 5 سنوات

الاجدر بهذا الكاتب ان يعيد مراجعة جداداته حول الحرب على سوريا أما جاء به هنا فأكثر من سطحي و لا يستحق النشر !